نزوح جديد من الأنبار وأفول السنة في العراق

السبت 2015/04/25

يُروى أن برزان التكريتي عندما كان رئيس جهاز المخابرات في ثمانينات القرن الماضي، قد اشترط على أحد المحكومين مؤبدا بتهمة حزب الدعوة، أن يقوم بحساب كيس ثقيل من السمسم دون ورقة وقلم، فإذا أنهى العد والرقم صحيحا، يطلق سراحه. الرجل قضى ستة أشهر يحسب ويخطئ وينسى، حتى استسلم في النهاية وقبل بالمؤبد. حزب الدعوة الحاكم اليوم جعل السنة جميعا “يحسبون سمسم”. هناك معاناة، وتدويخ سياسي يجري على هؤلاء الناس، تجعل عقولهم عاجزة عن فهم ما يحدث لهم.

بلغ عدد النازحين عن ديارهم 2.7 مليون شخص منذ يناير 2014. ويمثل نازحو الأنبار ما لا يقل عن 30 بالمئة من إجمالي النازحين في العراق منذ بداية العام الماضي. وتوضح بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن هذا هو ثاني أعلى مستوى للنازحين من محافظة واحدة، لا يمكن أن تمر أرقام كهذه دون أن تكون لنا وقفة عندها.

وقف حميد الهايس، الذي فرضته الحكومة الصفوية كأحد وجهاء الأنبار، أمام حشد من النازحين الأنباريين، وبدلا من أن يخاطبهم “يا أمهاتي وبناتي وأخواتي، ويا أولادي وآبائي روحي فداء لكم”، نراه يسخر من معاناتهم ويفتح معهم جدلا سياسيا ثم ينصحهم بالعودة إلى ديارهم، لأنه لا توجد رغبة في استقبالهم في العاصمة.

لقد وقعنا في الفخ، حتى أن أصحاب العيون التي لا تهدأ لا يجدون آذانا صاغية، ولا شك في أنها ليست مصادفة بألا يجد شعبي العظيم في محن كهذه ممثلين له سوى حميد الهايس ومشعان. إن هذا يدعو إلى القلق. أين العقول الراجحة التي وقف على أكتافها شعبي كل تلك القرون؟ أين الرجال الغارقون بالحكمة العربية في بادية الأنبار وتلال الموصل؟ أين أولئك الدهاة الذين ملأنا بهم المدى؟ كيف تنطفئ نارك يا شعبي. وحتى لو كانت الأرض مليئة بالقتلى لا بد من وجود أب عربيٍّ يرفع رأسه ويلـمح القمر، ثم يحدثنا عن أفول الفتيان الشجعان تحت سمائهم.

تسعون ألف أنباري نزحوا من ديارهم قبل يومين بسبب سيطرة الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من المحافظة. معظم الأنباريين يتركون ديارهم ليس خوفا من الدواعش فقط، بل خوفا من أن يقعوا بين أطراف القتال، ويجتاحهم الحشد الشيعي البربري المعروف باغتصاب النساء وحرق الجثث ونهب المنازل وإضرام النار فيها.

سيدة قالت إن جارتها أخبرتها بأنها ستغادر، فحشرت أمتعتها على عجل وسحبت خلفها أطفالها الثلاثة إلى المجهول. رجل أنباري يقول إنه يفضل داعش على الحشد الشعبي، ومستعد للعودة إلى بيته إذا تترك الميليشيات الناس تعيش بسلام.

تكدّسَ الأنباريون على مدخل بغداد ولم يُسمح لمعظمهم بالدخول إلا بكفالة ثلاثية، وهذا شبه مستحيل اليوم. والفساد الذي يضرب أطنابه في مفاصل العراق أطل برأسه مع معاناة النازحين، فبإمكان الأغنياء الحصول على الكفيل مقابل المال، نتمنى حظا أوفر للفقراء. رجل أنباري مُسن يقول لم يسمحوا لأحد بالمرور سوى الذين يعملون في الأجهزة الأمنية لدى الحكومة. وفي بغداد لافتات برفض دخول أهل الأنبار إلى المدينة لأنهم دواعش، كما أغلقت مكاتب العقارات عروض الإيجار خوفا من استئجار بيت لعائلة أنبارية بالخطأ، والتعرض لعقاب الميليشيات.

أهل الأنبار والموصل يتساءلون اليوم، إذا لا توجد رغبة في استقبال النازحين لماذا التحشيد للتحرير إذن؟ وما هذا التخطيط لتدمير مدنهم وتركهم في العراق بلا مأوى، فشركاء الوطن لا يرحب بهم بناء على توصيات الجارة الصفوية. الحرب تؤدي إلى نازحين بكل تأكيد. الرسالة التي وصلت إلى السنّة هي أنهم جميعا دواعش، ليس سنة العراق فقط بل الجميع. ألم ترفض الحكومة العراقية منحة إنسانية سعودية بنصف مليار دولار للنازحين العراقيين عام 2014؟ بينما قبل حيدر العبادي منحة من أميركا للنازحين بقيمة 200 مليون دولار مؤخرا، ما معنى هذا؟

بعد كلمة حسن نصرالله الأخيرة ماذا يريد العرب أن يفعلوا؟ هل يريدون الاستمرار في دفع تهمة الداعشية عن أنفسهم أمام القاضي الشيعي؟ وبالمناسبة لا أفهم سبب توقف عاصفة الحزم، ولم أكن أظن بأن هدفها تدمير صواريخ ومعسكرات تابعة للحوثيين، ولا أتخيّل كيف يمكن لإيران العنيدة التنازل عن حليف أنفقت المال والسنوات لإعداده؟

ثم ما فائدة هذه الدعاية التي يتشارك فيها الأميركان مع الصفويين في تهويل جرائم داعش والتخفيف من جرائم الميليشيات؟ الواقع وشهود العيان ينسفون هذه الدعاية. إجرام داعش هو حدود التطرف السلفي، فهم لا يقومون بشيء خارج الفهم الديني السلفي المتطرف. لم يغتصب الدواعش مسلمات، ولم يحرقوا بيوتا، ولقد رأينا أن أهالي تكريت هربوا في معظمهم باتجاه الموصل. الدواعش ليسوا فيزياء نووية، خذوا كتابا فقهيا سلفيا وراجعوا الأحكام الفقهية فيه، هذا ما يقوم به الدواعش، وهذا فهم فقهي خارج العصر بكل تأكيد، ولا يحظى بقبول من الفقهاء.

شيخ عشيرة كتب لي “أخي الكريم صار 8 أشهر مناطقنا محررة، ولا تقبل الميليشيات عودة الأهالي. السنة في نظرهم دواعش. وأضيف إلى معلوماتك لم يبق بيت ولا مدرسة ولا جامع ولا مركز صحي في مناطقنا، حتى أعمدة الكهرباء قطعوها. الحمد لله طهروا مناطقنا من كل شيء، حتى من الحياة. لا نرى سوى القتل والخطف وكيل التهم. الحمد لله لا توجد حكومة بقضاء الطوز فقط ميليشيات”.

هل يريد القارئ شهادات حية متعلقة بالموصل التي يحكمها الدواعش منذ عام؟ هذا يقول “أهلي بالموصل وأتصل بهم كل يوم، وحالهم أفضل من قبل لكن لا يوجد عمل”، وآخر يقول “كثير من أصدقائي في الموصل، حتى غير متدينين، وقالوا الوضع تمام”. ورسالة تقول “اذهب لتويتر وأكتب ولاية نينوى، أنظر تبليط شوارع وإعمار وكل شهر يوزعون نصف مليار دينار للفقراء”. وآخر يقول “خلال السنة الماضية ذهبت ثلاث مرات إلى الموصل، والمدينة تفاجئك بالشوارع النظيفة والمحلات العامرة والطرق المفتوحة ولا وجود لسيطرة أمنية تضايق الناس”.

رأيت صورة طفلة بعمر 6 سنوات، واقفة عند جسر بزيبز المؤدي إلى بغداد، تحدّق في وجه أمها المغطى بالتراب، أحزنتني كثيرا وفكرت مليا ما اسمها؟ خنساء؟ أرى ضفائرها الطويلة وعينيها الحائرتين ووجهها الذي ينطق بالخوف. لا تعرف خنساء لماذا خرجت مع عائلتها على عجل، ولا لماذا خائفان طوال الطريق، ولا تعرف لماذا يتوسل أبوها جنود العراق عند الحاجز؟ هل هذا هو الذل الذي لا نتمناه حتى لعدونا؟ خنساء الأنبارية الصغيرة تشكل خطرا على بغداد.

ما يحدث لنا هو ما حدث لمسلمي الأندلس، تهجير وتبشير وإبادة. الفارق هو أن كتّاب قرطبة وغرناطة قد نسجوا عذابات شعبهم في أجمل وأرقى أدب، حتى وضعوا آلامهم في إطار الكفاح الإنساني الخالد ضد الظلم.

أزعم بأن “سنة العراق” من أجمل الشعوب العربية، لقد أخذوهم على حين غرة، فلم يكن هناك وقت كاف ليتداركوا أنفسهم. شعبي نافورة جمال وشلال مروءة. هو فقط “ضل الطريق” بسبب قسوة الأعداء. وحالتي اليوم كصوت لهؤلاء الناس تستدعي روح الزعيم الهندي الأحمر “سياتل” في رثاء شعبه الآفل:

“إن الشباب غرار، وعندما كان يعتري شبابنا الغضب جراء خطب حقيقي أو متخيل، ويشوهون وجوههم بالأصباغ السود، فإن ذلك ربما يشي بأن قلوبهم سوداء، وبأنهم قساة دائما وغلاظ القلوب، لأن شيوخنا والمسنات من نسائنا غير قادرين على كبح جماحهم. إلا أن الأمر لم يكن أبدا كذلك. الشبان يعتقدون بأن الانتقام كسب، حتى لو كلفهم الحياة. لكن الشيوخ الذين يقيمون في البيوت زمن الحرب، والأمهات اللواتي ربما يخسرن أبناءهن، يعرفون أكثر من ذلك».

كاتب عراقي

9