نزوى العمانية تتوج عاصمة للثقافة الإسلامية

الاثنين 2015/01/05
قلعة نزوى ظلّت بمثابة بصمة الإصبع لزمن حافل بالتاريخ والريادة الثقافية

نزوى (عُمان) - أضواء الثقافة في العالم الإسلامي تتسلط على مدينة نزوى العمانية التي بدأت الحكومة في تنفيذ سلسلة من المشروعات الثقافية بها استعدادا للاحتفالات بمناسبة اختيارها عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2015.

تدخل الثقافة الإسلامية العام الجديد متخذة من مدينة نزوى العمانية عاصمة لها عن المنطقة العربية، مع بدء الاستعدادات لتقديم التراث الثقافي للمدينة التاريخية إلى العالم عبر فعاليات ثقافية متعددة تحتضنها على مدار العام.

ومن المقرر أن تقام الاحتفالات في كل من جامعة نزوى وكلية العلوم التطبيقية والمجمع الشبابي، إلى جانب معهد القضاء العالي وساحة قلعة نزوى، بحسب ما قاله الشيخ حمد بن هلال المعمري وكيل وزارة التراث والثقافة العمانية للشؤون الثقافية في وقت سابق.

وفي يونيو الماضي أعلن عبد العزيز التويجري رئيس المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة “ايسيسكو” من مسقط اختيار مدينة نزوى كعاصمة عربية للثقافة الإسلامية.

ودشنت سلطنة عمان الشعار الخاص بهذه المناسبة، والذي يرمز إلى معلميْن من المعالم التاريخية والمعمارية العريقة في مدينة نزوى، وهما قبة جامع السلطان قابوس وقلعة نزوى.

وتنفرد القلعة، التي بناها الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي عام 1650، بشكلها الدائري الضخم. ويوجد بالقرب من مبنى القلعة والحصن سوق نزوى التقليدي الذي اشتهر بصناعاته الحرفية المزدهرة.

القلعة تعتبر من أقدم القلاع في سلطنة عمان، ويصل ارتفاع أبراجها إلى 24 مترا، وبها سبعة آبار وفتحات متعددة لمرابطة المقاتلين المدافعين عن القلعة والمدينة خلال العصور القديمة، وبداخلها مواقع مختلفة للسجون حيث كانت مقرا للحكم وتنفيذ العقوبات ضد مرتكبي المخالفات والجرائم بأنواعها المتدرجة.

نزوى حظيت باهتمام كبار المؤرخين والرحالة والجغرافيين العرب، وتحولت الى مركز حضاري لنحو ألف عام

وترتبط القلعة بحصن ذي ممرات معقدة، واستغرق بناؤها 12 عاما.

ويعد “فلج (قناة) دارس” من أكبر الأفلاج في سلطنة عمان، وهو يساعد في ري الكثير من المزارع في ولاية نزوى، ويقع بداخل حديقة عامة أسستها الحكومة العمانية للحفاظ عليه وليكون مكانا لزيارة السائحين.

ومنذ الإعلان عن اختيار نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية قررت الحكومة العمانية إنشاء مركز ثقافي في “حي التراث” بالمدينة، بتكلفة إجمالية تبلغ خمسة ملايين ريال عماني (13 مليون دولار أميركي)، بحسب ما أكد خالد بن هلال النبهاني، عضو مجلس الشورى بولاية نزوى وعضو لجنة الإعداد والتحضير للفعالية.

ومن المقرر أن يغطي المركز مساحة إجمالية تقترب من عشرة آلاف متر، وأن يضم مسرحا ومبنى للإدارة ومكتبة عامة ونادٍ علمي ومسرح خارجي وورشة للأعمال الفنية ونادٍ للموسيقى وقاعة متعددة الأغراض ومكتبة للأطفال ومخزن للآثار ومرافق خدمية أخرى.

وبدأت ملامح المركز تتشكل، وتتجانس مع التفاصيل الخارجية للمكان، ومن المحتمل أن يتم الانتهاء منه منتصف هذا العام، بحسب التصريحات السابقة للمسؤولين.

وحظيت مدينة نزوى العمانية باهتمام كبار المؤرخين والرحالة والجغرافيين العرب، على رأسهم المقدسي والحموي والدمشقي وابن بطوطة، وتحولت إلى عاصمة ومركز ثقافي لفترة تزيد عن ألف عام.

وتشتهر نزوى بالجوامع والمساجد الأثرية ذات محاريب ونقوش ما تزال تحمل زهوا براقا رغم أن بعضها نقش قبل سبعة قرون ونصف، كما هو محراب جامع سعال الذي يعود زمن نقش محرابه إلى عام 1252م.

واختيار المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (ايسيسكو) لمدينة نزوى، يعكس اهتمامها بالطبيعة الجذابة التي تحيط بالمدينة المحاصرة بجبال شاهقة تسبح في زرقة السماء وتحتضن قممها السحب، خاصة في الأيام الملبدة بالغيوم، حيث تبدو هضبات الجبل الأخضر، وقمم جبل الحوراء مكسوة بالسحب.

وبجوار القلعة، يقع حصن نزوى الذي يعود تأسيسه إلى القرن الثالث الهجري. وخلال ما يزيد عن ألف عام، شهد الحصن أحداثا جسيمة أبرزها الحدث الفكري والثقافي الأشهر المتمثل في نشوء المدرستين الفقهيتين النزوانية والرستاقية اللتين تقومان على مبدأ الولاية والبراءة أو القبول والرفض.

الحكومة العمانية تقرر إنشاء مركز ثقافي في حي التراث بالمدينة بتكلفة 13 مليون دولار

وعقب تنحِّى الإمام الصلت بن مالك الخروصي (القرن الثالث الهجري) عن الإمامة، بعد أن علم بخروج الشيخ موسى بن موسى عليه تسانده مجموعة من العلماء مطالبين بعزله، تم تنصيب راشد بن النظر إماما جديدا. وعلى إثر تلك الحادثة نشأت مدرستان فكريتان أفرزت الكثير من الكتب والدراسات، تتبعت وحللت أبعاد القضية السياسية التي تحولت إلى خلافات عقدية وفكرية.

على الجانب الآخر، تشهد مدينة نزوى حراكا في ترميم بعض المعالم الأثرية كالأسوار والبوابات ومحاريب المساجد القديمة والحارات، أبرزها حارات العقر وسمد وسعال والسيباني بنيابة بركة موز التابعة للمدينة.

وتتواصل مشاريع الترميم التي تقوم بها وزارة التراث والثقافة، لتشمل ترميم “حارة العقر” الأثرية، وجانبا من سور الحارة الملاصق للسوق، والمتميز باستحكامات عسكرية ومنافذ واستراحات. ورغم عمره الطويل حيث يزيد عن ألف عام، فقد بني في نفس فترة بناء الحصن بحسب الكتب التاريخية، إلا أنه ما يزال متماسكا، كما تم ترميم أجزاء منه من الجهة المطلة على السوق التجاري.

ومن الآثار الدينية، يخضع “جامع الشرجة” أيضا لعمليات الترميم، التي من المقرر أن تطال محرابه الأنيق، وزخرفته الجصية التي رسمت عام 1518م. وفي عام 2006 أقرت لجنة التراث العالمي بمنظمة “اليونسكو” إدراج فلجي دارس والخطمين بنزوى العمانية، وأفلاج الملكي بأزكي، والمسير بالرستاق، والجيلة بصور، لتكون ضمن لائحة التراث العالمي، تعبيرا عن المكانة الدولية لهذا النظام المائي الفريد، الذي شكل موروثا حضاريا أبدعه العمانيون منذ ما يزيد عن ألفي عام كأقدم هندسة ري بالمنطقة.

وتشتهر نزوى في زمانها القديم بالمكتبات الأهلية الخاصة والمكتبات الوقفية والمكتبات الخاصة بالأدباء والعلماء الذين عاشوا في أرضها، وحبروا دواوين ومصنفات، ففيها عاش الشاعر أبوبكر أحمد بن سعيد الستالي، كما خرج منها كبار الفقهاء على مر العصور، من أمثال أبوالمؤثر الصلت بن خميس الخروصي صاحب “الأحداث والصفات”، والبشير بن المنذر صاحب أول مدرسة فكرية تعليمية، ومحمد بن ابراهيم الكندي صاحب موسوعة “بيان الشرع”، والفيلسوف أبوبكر أحمد بن عبدالله الكندي صاحب “المصنف” وغيرهم.

12