نساء استثنائيات وهبن المرأة صوتا يسمع ومستقبلا يعاش

ثلاث نساء لا يمكن أن يسقطن من ذاكرة التاريخ، لأنهن فتحن الطريق أمام الحركات النسوية للمطالبة بالحرية والمساواة، بأفكارهن المتحررة وبنمط حياتهن الحداثي، وساهمن في تغيير وضع النساء في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في زمن لم تكن فيه المرأة قادرة على اتخاذ أيّ قرار داخل وسطها الأسري والاجتماعي.
الأحد 2017/10/29
الإيرانية أسيرة بين عمامتين

يسلط كتاب إلكتروني جديد الضوء على المراحل المختلفة لسعي المرأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى المطالبة بالحرية والمساواة ومقارنتها بأوضاع النساء في بقية دول العالم.

وثمّن الكتاب الذي حمل عنوان “مستقبل الشرق الأوسط” الدور الكبير الذي قامت به ثلاث نساء استثنائيات تمكنّ من تغيير واقع النساء في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، في فترة كان من الصعب على المرأة أن تكون صاحبة رأي أو صانعة قرار في محيطها الأسري والاجتماعي الذي يحكمه الذكور.

وأبرز المؤلفان اللذان شاركا في تحرير فصول هذا الكتاب، وهما هيو مايلز المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وألاستير نيوتن المحلل السياسي للقضايا العالمية، كيف ساهمت ثلاث نساء في تغيير النظرة الذكورية للمرأة وفتح المجال أمامها للمطالبة بالحرية والمساواة.

مواطنة من الدرجة الثانية

لم تكن المرأة الغربية خلال القرن التاسع عشر أفضل حالا من نظيرتها العربية، بل كانت تعامل على أنها مواطنة من الدرجة الثانية، وتخضع في الغالب للوصاية الذكورية، باستثناء عدد قليل من نساء النخبة اللائي كن يتمتعن ببعض الحقوق الأساسية، ولكن ذلك لم يحل دون تنامي الوعي النسوي بضرورة المطالبة بحقوقهن وتحسين أوضاعهن، وهكذا بدأت الحركات النسوية في التشكل والظهور.

تزامنت الحركات النسوية في أوروبا مع اندلاع الانتفاضات الشعبية المطالبة بحق التصويت والمشاركة في الحكومات، وقد أدت في العام 1848 إلى اندلاع سلسلة من الثورات الجمهورية، التي هزت جميع المملكات الأوروبية.

وعلى الرغم من انتهاء أغلب تلك الثورات بالفشل، نظرا لعدم إحداثها تغييرات هيكلية، فإنها قد ساهمت في تشكيل وعي مجتمعي جديد، وهيأت الأجواء لانعتاق المرأة وتحررها تدريجيا، وعندما صيغت الدساتير في وقت لاحق، ضغطت النساء لإدراج مفهوم المواطنة والحق في التصويت.

وشهدت الولايات المتحدة الأميركية حركات نسوية مماثلة، كان الهدف منها الضغط من أجل تحقيق “التساوي في المواطنة” وعدم التمييز في الأجور بين الجنسين، وفي العام 1848 انعقد مؤتمر سنيكا فولز، الذي أضفى إلى صياغة مسودة “إعلان المبادئ” للتصدي في وجه التحقير السياسي والاقتصادي والاجتماعي للنساء، وقد نجحت هذه الحملة في إحداث التعديل التاسع عشر في عام 1920 والذي أقر الحق القانوني للمرأة الأميركية بالتصويت في كامل الولايات.

وأحدث إصدار تشارلز داروين لكتابه “أصل الأنواع″ عام 1859، رجة في جميع أنحاء العالم بتقويضه المعتقدات الدينية التي كانت سائدة وتقليله من شأن المؤسسات الدينية التي كانت تتحكم بشكل مطلق في حياة الناس.

وكان هذا الكتاب بمثابة الرياح التي نفخت أشرعة المثقفين العلمانيين، ممن كان لهم اعتراض على الأنظمة الدينية المسيّرة لحياة الناس في تلك الفترة.

وأثّرت مختلف هذه الأحداث بشكل طبيعي على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصة في ظل التدهور الذي شهدته الإمبراطورية العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وساهمت الأوضاع المتردية في تحفيز العلماء والمفكرين على البحث في الأسباب التي أدّت إلى ركود مجتمعاتهم في الوقت الذي كان فيه الغرب يشهد تقدما تكنولوجيا كبيرا ونموا اقتصاديا، ومن أبرزهم الإصلاحي المصري قاسم أمين الذي نادى بتحرير المرأة وذاعت شهرته عالميا.

بصمات أنثوية خفية

برزت خلال القرن التاسع عشر ثلاث نساء سبقن عصرهن بمراحل طويلة، وهن لطيفة أوشاكي زوجة مصطفى كمال أتاتورك قائد الحركة التركية الوطنية التي حدثت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وثريا طرزي زوجة أمان الله خان الذي أصبح أمير أفغانستان عام 1919 قبل أن يحوّلها إلى ملكية في عام 1926، ونيمتاج أريملو الملقبة بـ”تاج الملوك” زوجة شاه إيران الأسبق رضا بهلوي.

لم تكن لهؤلاء النساء إنجازات مادية على أرض الواقع، رغم أن لطيفة تنحدر من عائلة غنية ومشهورة في تركيا، ودرست السياسة والحقوق في جامعة السوربون بباريس، وثريا كانت تجيد التحدث بعدة لغات، بالإضافة إلى حصولها على شهادة فخرية من جامعة أكسفورد، ولكن شخصياتهن أثارت الجدل، وشكلت قوى دفع حقيقية نحو التغيير، فقد كنّ إلى جانب أزواجهن في المراحل الحاسمة على مستوى اتخاذ القرارات السياسية، وقيادة حركات التحديث في مجتمعاتهن.

ومثّل أسلوب حياتهن ولباسهن كسرا غير مسبوق لحاجز المحرَّمات وللقيود الصارمة المفروضة على المرأة في ذلك الوقت، فقد كنّ يرتدين الملابس الغربية بدلا من الحجاب، ويظهرن مع أزواجهن في الاحتفالات الرسمية ويصافحن الرجال، ويتحدَّثن عن حقوق المرأة في المناسبات العامة، ولا يكترثن بقواعد الفصل بين الجنسين التي كانت إلزامية في تلك الحقبة.

وكان مسار حياة الثلاثي مثالا لثورة على السلطة الذكورية المقصية للنساء، وتمردا على واقع القهر واللامساواة بين الجنسين، وكانت لهن أدوار ريادية وهبت بنات جنسهن طاقة من نور، انفتحن من خلالها على عالم من الممكن أن تكون فيه المرأة مواطنة من الدرجة الأولى.

ونجحت النساء الثلاث جزئيا في تغيير النمط الاجتماعي التقليدي السائد في بلدانهن، ففي عام 1929، أدخل أمان الله خان ملك أفغانستان إصلاحات سياسية وتحرّرية، وكرّس قوانين تتعلق بإصلاح التعليم والمجتمع والمساواة في الحقوق بين النساء والرجال، وفي تركيا حرص مصطفى كمال أتاتورك على بناء دولة تأخذ من الأنظمة الغربية شكلها ومضمونها، وأدخل الكثير من القوانين العلمانية التي تساوي بين المرأة والرجل في شؤون الزواج والطلاق والميراث، كما سمح بتبني الأطفال وألغى تعدّد الزوجات، وحظر ارتداء الحجاب ومنح النساء حق الاقتراع عام 1930. أما في إيران، فقد خطا الشاه رضا بهلوي خطوات كبيرة في مجال تحسين أوضاع النساء، حيث أمر في عام 1933 المؤسسات التعليمية وخاصة جامعة طهران بقبول الطلبة من الفتيات، وفي عام 1934 حظر ارتداء الحجاب، غير أن هذه الإصلاحات واجهت ردود فعل عنيفة من قبل رجال الدين المحافظين الذين عارضوها بشدة وثاروا ضدها، بتعلّة أنها تشكل خطرا على الإسلام والمجتمع.

لكن من المؤسف أن مصير النساء الثلاث كان مخيبا للآمال، رغم ما بذلنه من جهود جبارة ليهبن بنات جنسهن صوتا يسمع ومستقبلا يعاش وليقضين على أوجه التخلف في مجتمعاتهن.

ففي عام 1929 شكل رجال الدين المتشددين جبهة قوية ضد أمان الله خان مدعين أنه ينتهك الأعراف الدينية ويعتدي على تقاليد الشعب الأفغاني، الأمر الذي أدى إلى قيام ثورة شعبية انتهت بالإطاحة بالملك الإصلاحي، وبالتالي انهيار مشروعه التحديثي، وتوفيت الملكة ثريا في المنفى في العام 1968، ولكنّ ذلك لم يمنع بروز بعض البوادر الإصلاحية الجديدة في المجتمع الأفغاني، إلا أن ظهور الحركة الإسلامية الدينية المعروفة باسم طالبان التي نشأت في ولاية قندهار الواقعة جنوب غرب أفغانستان على الحدود مع باكستان في عام 1994، أعادت أفغانستان إلى عصور مظلمة بعد أن قيدت المرأة وعاملتها بطريقة مهينة، وأنهت أيّ أمل في إجراء إصلاحات سياسية واجتماعية، فارضة قوانين إسلامية متشددة حتى انهيارها عام 2003، ليعود الأمل وإن كان ضئيلا بحكم تركيبة المجتمع الأفغاني المحافظ، في استعادة شيء من حقوق المرأة المهدورة.

التركية متمسكة بإنجازات أتاتورك

مصير مخيب للآمال

فيما غادرت الملكة نيمتاج أريملو (تاج الملوك) إيران باتجاه المكسيك أثناء قيام الثورة الإسلامية في العام 1979 والتي أنهت نظام الشاه العلماني، وتوفيت الملكة في المنفى في العام 1981، وظهر في إيران اتجاه محافظ بقيادة آية الله الخميني أعاد لرجال الدين السلطة التي فقدوها على مدار الحكم الملكي البهلوي الذي امتد حوالي خمسين عاما.

وأصدر الخميني قانونا يلزم جميع النساء بارتداء الحجاب، كما انخفض السن القانوني لزواج الفتاة، وتم الارتداد على الكثير من الحقوق التي نجحت المرأة في انتزاعها بالجهد والصبر والألم على مدى عقود من الزمن، ولكن لم تنجح كل الضغوط التي مورست على المرأة الإيرانية في دفعها إلى الاستسلام أو التنازل عن حقوقها، وبرزت حقبة إصلاحية محدودة بعد وفاة الخميني عام 1989، قادتها مجموعات نسائية للدفاع عن حقوق المرأة الإيرانية، وبفضل صمودهن تغيرت القوانين المتعلقة بالزواج والطلاق لتعطي حقوقا أكبر للمرأة الإيرانية، واعتبارا من 2006 شكلت الفتيات أكثر من نصف طلبة الجامعة في إيران.

أما لطيفة أوشاكي فقد انفصلت عن أتاتورك في العام 1925 بسبب حدوث العديد من الخلافات بينهما، وعاشت بعد ذلك حياة بسيطة إلى أن توفيت في ظروف غامضة في العام 1975.

وتعتبر الإصلاحات التي قام بها أتاتورك في تركيا الأكثر استدامة بالمقارنة مع ما حصل في إيران وأفغانستان، ورغم محاولة حكومة رجب طيب أردوغان إحياء بعض التقاليد المحافظة المقيدة لحرية المرأة، إلا أن النساء في أنقرة مازلن يتمتعن بحقوق أكبر بكثير من تلك التي تتمتع بها نظيراتهن في بعض الدول الإسلامية الأخرى، فعلى مدى عقود طويلة كان يحق للمرأة التركية التصويت في الانتخابات والحصول على التعليم والحق في الطلاق والحق في الإجهاض، ولكن وفقا للمعايير الحالية للاتحاد الأوروبي، لا يزال أمام أنقرة طريق طويل في مجال حقوق المرأة.

ولئن كانت المرأة التركية بشكل عام، لم تحصل بعد على حقوقها كاملة فإنها في بعض الدول العربية ربما تحتاج إلى عقود طويلة من النضال، كي تحقق ما يصفه البعض بـ”تمكين المرأة”، وهو المصطلح الذي يمثل المظلة الأوسع للتعبير عن طموحات النساء في مشاركة فاعلة في قضاياهن.

ويعكس تدني مشاركة المرأة العربية في سوق العمل وتباينها بين دولة أخرى تشابك الجوانب التشريعية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تحدد أين وماذا ومتى يمكن للنساء العمل. وتؤدي مختلف هذه الضغوط إلى جعل المرأة عرضة على الأرجح لأن تبقى عاطلة عن العمل، رغم أن المرأة التي يتاح لها الحصول على وظيفة أو الدخول في حقل السياسة تستغل قدرتها على دعم السياسات الخاصة بتطوير أسرتها وتنمية مجتمعها.

وتشير بيانات المنظمة العالمية للعمل إلى أن مساهمة المرأة في سوق العمل في الدول العربية هي الأدنى في العالم، إذ لا تتجاوز 23 بالمئة مقارنة بـ60 بالمئة تقريبا في الدول الأوروبية.

وحين تفقد المرأة فرصة العمل فإن الفقر والتخلف سينتشران في مجتمعها، لأن العمل هو الذي يفتح أمامها أبواب الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على النفس، ويتيح لها الفرصة للإنفاق على نفسها وعلى أسرتها، والمساهمة في تحريك عجلة التنمية في بلادها.

كاتبة من تونس مقيمة في لندن

20