نساء البصرة يتنفسن الحرية في شوارع المدينة

نساء البصرة اليوم  لم يعدن يخفن الدواعش، فهن يتمتعن بحريتهن ويثبتن أنهن مسؤولات عن أنفسهن وأعمالهن.
السبت 2018/06/30
مساحات للمتعة والترفيه

البصرة (العراق) - في سبعينات وثمانينات القرن الماضي كانت مدينة البصرة تعيش انفتاحا عاما يشابه أو يفوق الانفتاح الاجتماعي الذي كانت تعيشه العاصمة بغداد، لكن الأمر بدأ يتغير منذ عام 2003.

تجلس الشقيقتان البصريتان شهد ونور الربيعي في الطابق الثالث والمخصص للمطاعم والمقاهي في أحد أكبر المجمعات التجارية والتسويقية في البصرة (560 كلم جنوب بغداد) بانتظار تجهيز طلبهما.

وقبل سنوات مضت، لم يكن من السهل على الفتيات الخروج ليلا وقيادة السيارة لإحضار العشاء من المطاعم المنتشرة في المدينة، إذ أن معظمها كانت ذات طابع شعبي أو أنها عائلية، أما اليوم وبعد انتشار المولات، بات طبيعيا رؤية بعض النساء في المدينة بلا غطاء الرأس في الأماكن المذكورة، كما أنه من الطبيعي مشاهدة فتيات بمفردهن في الأماكن العامة.

منظر شهد ونور ربما يعتبر ناقصا لوجود ذكر بعمر والدهما أو بعمر أخ يكبرهما بسنوات عدة، إلا أنهما تناولتا وجبتهما بمفردهما وتوجهتا نحو مركز التسوق في الطابق الأرضي.

وتقول شهد لموقع نقاش “عندما كنت أدرس في الجامعة كانت الميليشيات المسلحة تخيفني، وكنت أرتدي ملابس تناسبها خوفا من المضايقات، ولكن اليوم، البصرة آمنة جدا خصوصا عندما تم افتتاح المراكز التجارية (المولات) التي يمكننا التجول فيها لشراء ملابس بعيدا عن ضوضاء ومتاعب السوق”.

سيادة المظهر الديني والمحافظ في المدينة الجنوبية الغافية على ضفاف شط العرب هي الطابع الذي ميز البصرة منذ عام 2003، إذ أعقبت ذلك العام سيطرة عدد من المسلحين خارج إطار القانون والميليشيات على المدينة، ما جلب مشكلات عدة للسكان.

جمال المرأة البصرية يظهر في بوديوم الأزياء
جمال المرأة البصرية يظهر في بوديوم الأزياء

واليوم تحاول هذه المدينة المشهورة بقربها من الخليج وموقعها المميز استعادة انفتاحها الاجتماعي مجددا من خلال مظاهر عدة، بدأت بانتشار الأسواق والمولات الكبيرة، وزاد فيها عدد النساء اللواتي يقدن السيارات داخل البصرة، فيما نقلت بعض العائلات التي سافرت لتعيش خارج المكان بعض مظاهر الانفتاح الاجتماعي الأخرى عند عودتها.

وفي السنوات الأخيرة، زاد عدد النساء غير المحجبات في المحافظة بعد أن تراجعت سلطة الميليشيات منذ عام 2008، إذ كانت تضع لافتات تحذر فيها الفتيات من “التبرج والسفور” كما شهدت الكليات بعض حالات التعرض للفتيات غير المرتديات للحجاب أو اللواتي يرتدين ملابس لا تناسب الشريعة.

وظهرت اليوم في المحافظة مدارس (أجنبية) ابتدائية مختلطة، وقد شهدت إقبالا من جانب الكثير من الأهالي، ما دفع باقي أصحاب رؤوس الأموال إلى العمل على إنشاء مشاريع مشابهة.

وكانت الميليشيات المسلحة تسيطر على البصرة بين عامي (2003 - 2008) إذ نفذت الدولة خطة أمنية نزعت من خلالها سلاح الميليشيات وألقت القبض على مؤثرين فيها، وبعدها بدأت البصرة تستقبل المشاريع الاستثمارية وفتحت هيئة الاستثمار في المحافظة عام 2009.

الناطق باسم مديرية مرور المحافظة رياض العيداني قال لـ”نقاش”، إن “رُخَص القيادة الخاصة بالنساء تم إصدارها في السنوات الثلاث الماضية في شكل متزايد عن السنوات التي سبقتها بسبب ارتباط بعض النساء بأعمالهن ومدارس أبنائهن التي تتطلب من المرأة أن تكون لها سيارتها الخاصة”.

ويضيف أن “السائقين الذكور لم يعودوا يستغربون قيادة المرأة بسبب شيوع هذه الحالة وهو ما شجع النساء على خوض تجربة القيادة، واتضح لنا لاحقا أن المرأة ترتكب حوادث وأخطاء أقل لالتزامها بالقوانين”.

وتؤيد شهد رأي العيداني في أن النساء أكثر حرصا من الرجال أثناء القيادة، قائلة إنها حصلت على رخصة القيادة بسهولة وباستحقاق بعدما تدربت جيدا على قيادة السيارة.

التزحلق بحرية
التزحلق بحرية

ولوحظ في البصرة خوض المرأة في العمل لدى شركات الطيران والسفر والمطاعم والأزياء وحتى في مجال التمثيل والسينما والعمل كضابط في المرور كما هو الحال مع الملازم أول علياء، وهي سيدة بصرية تعمل في مديرية المرور منذ أكثر من ثماني سنوات.

وعلياء برتبة ضابط من مواليد 1983 وهي حاصلة على البكالوريوس في القانون وكانت أول ضابط مرور حين نجحت من محافظة البصرة من أصل 83 ضابطا من الإناث.

ويقول مصمم الأزياء زياد العذاري لـ“نقاش” حول عروضه التي يقدمها في البصرة وانفتاح المرأة البصرية عليها، “إننا لم نعد نواجه تلك المشكلة التي كانت تواجهنا قبل عشر سنوات وهي ندرة الفتيات الراغبات في العمل كعارضات أزياء بسبب القيود العشائرية والمجتمعية ولكننا اليوم لدينا الكثير من العارضات البصريات”.

ويردف زياد أن “الفتاة في البصرة اليوم ترى أن المحافظة في تطور وأن هناك الكثير من الفتيات اللواتي بدأن يأخذن دورهن ويصبحن سيدات أعمال بسبب ارتفاع مستوى ضبط الأمن، فضلا عن الاستفادة من تجارب الدول المجاورة في مجال العمل الخاص بالفتيات والذي يمنح المرأة كيانا فضلا عن كونه عملا محترما”.

وبدأت عروض الأزياء في البصرة منذ عام 2015 في قاعات ضمن فنادق محصنة، ولكنها بعد ذلك انطلقت إلى قاعات مفتوحة وبدعوات عامة وبمشاركة منظمات عراقية وأجنبية.

إذ كان الاعتماد في بادئ الأمر على عارضات أزياء من بغداد بمشاركة عدد قليل من البصرة، ولكن بدءا من العام الماضي أخذت العروض تعتمد على فتيات من البصرة بشكل أكبر.

وشهدت البصرة افتتاح أول اتحاد لسيدات الأعمال في العراق منذ عام 2011، وهو يضم بين هيئته العامة نساء يعملن في مجال الأعمال والفن ومنهن من تقود منظمات للدفاع عن حقوق المرأة في المحافظة.

مظاهر الانفتاح في المدينة الجنوبية بدأت تتسع وتشمل جوانب عدة وهو ما تطمح إليه النساء هناك والمثقفون على حد السواء، أما شهد وشقيقتها فأكملتا جولتهما التسويقية في المول ونزلتا لأخذ سيارتهما منطلقتين باتجاه المنزل فرحتين بما أنجزتاه في ذلك اليوم دون الحاجة إلى أي تدخل ذكوري.

17