نساء المجتمع العربي متمسكات بأصفادهن

الخميس 2013/11/14
لينا الحسن: الظروف الحالية السائدة في دمشق أبعدتني عنها

صدر للروائية السورية لينا هويان الحسن في بيروت منذ أيام عملها الروائي الموسوم بـ"نازك خانم"، عن "منشورات ضفاف" البيروتية، وهو الإصدار السادس في تجربة هذه الكاتبة التي توزعت على الكتابة الروائية والشعرية وكتب التوثيق. وبهذه المناسبة التقت "العرب" بصاحبة "بنات نعش" لتحدثنا عن إصدارها الروائي الجديد، الذي استهدت فيه بنموذج نسائي دمشقي.

"نازك خانم" عمل روائي جديد للكاتبة لينا هويان الحسن، وفيه استثمار لنموذج نسائي سوري عاش في باريس بهدف تغيير الفكرة السائدة عن نساء دمشق كما سوقتها الدراما السورية بكونها "امرأة حبيسة الحارة".

تنصلت من ذاكرتي

عن سبب اختيارها بيروت لإصدار هذه الرواية بعد أن أصدرت كل مؤلفاتها السابقة في دمشق، تجيب لينا هويان بقولها: "دمشق، الآن مشغولة بنفسها، بلعبة فتح وغلق بواباتها الكثيرة، وأنا من الكتاب الشباب السوريين القلائل الذين انطلقوا من دمشق. وغالب أصدقائي حفظوا عني عبارتي الشهيرة التي كنت أرددها مبررة نشر روايتيّ "بنات نعش" و"سلطانات الرمل" في دمشق لا في بيروت: "أكون الأول في قريتي على أن أكون الثاني في روما" لكن الظروف الحالية السائدة في دمشق أبعدتني عنها، وللمفارقة، أني للمرة الأولى أخص دمشق برواية، بينما أنا بعيدة عنها. لكني قريبة في نفس الوقت ولأثبت قربي منها نشرت روايتي في "بيروت" المدينة التي فاجأتني باهتمامها الحقيقي بالثقافة، مدينة تحتضن أقلاما أدبية مهمة، وتواكب الحركة الثقافية على امتداد الخارطة الأدبية.

وتقدم صاحبة المجموعة الشعرية "نمور صريحة" عملها الروائي هذا لقراء "العرب"، متحدثة كذلك عن الأجواء التي كتبت فيها نصها الروائي، فتقول: هنا، في "نازك خانم" أقدم نصّا يحمل عوالم مختلفة عن كل نصوصي السابقة. هكذا هو الأدب يفترض أن لا يشبه بعضه البعض وأن لا يكرر نفسه. هذه المرة تنصلتُ من ذاكرتي التي حكمتني في أعمالي السابقة. فكتابة رواية "سلطانات الرمل"، أضنتني. لأني كتبت عن أناس تربطني ببعضهم صلة القرابة.

إنها قدسيّة الدم، الذي لا يمكن أن يشبه الماء يوما. القدسيّة، ذاتها التي دفعتني لأكتب "سلطانات الرمل" وقبلها رواية "بنات نعش" ومؤخرًا كتاب "رجال وقبائل".

لا أشبه أحدا

وعندما هشمني الحنين إلى دمشق، كتبتُ "نازك خانم"، مع هذه الرواية كنتُ أتوقع أني أستريح من ألاعيب السراب ومتاهات الرمال ومن ذاكرتي المترعة بمياه الواحات المفقودة. لكن "نازك خانم"، لم تكن ألطف أو أرق من "سلطاناتي"؛ تورطتُ بالتلصص على حياة لامرأة من لحم ودم، وحدث أن عاشت ذات يوم، سحبتني وراءها، وأرهقتني وأنا أتتبع خطاها الطاووسيّة في شوارع مدينة باريس التي لم أزرها يوما.

لهذا كنتُ مضطرة للنبش في متون الكتب والصحف الصادرة في فترة السبعينات والستينات وهناك في دنيا "الأرشيف" عثرتُ على الدهشة مجسدة في جرأة نساء استثنائيات، انتقيت منهن "نازك" التي شكلتُ ملامحها من خلال خلط عدة شخصيات، لأبني قامة نسائية رشيقة جريئة لا تعرف التردد؛ لطالما أردتُ الاستهداء إلى نموذج نسائي دمشقي مغويّ لأكتبه، لعلي أغير الفكرة السائدة عن نساء دمشق كما سوقتها الدراما السورية "امرأة حبيسة الحارة".

عن الجديد الذي أتت به الروائية السورية الشابة في روايتها هذه، تقول: ارتبط اسمي بالرمل، وهذا ما أردته تماماً، أردت أن يكون اسمي رديفًا للرمل، أي رديفًا لما أعتقد أنه يشبهني.

الرمل ذرّات نرجسية، لا يمكن أن تتحول إلى "طين"، التراب وحده يحترف صنعة الوحل، بينما الرمل شيء مختلف تمامًا، وأنا معجبة بالرمل. أريد أن أخدم بأدبي"الفردانية"، أي، أن لا أشبه أحدا، أريد لنصي أن يخدم الاختلاف. وفي هذه الرواية، عملتُ على تقديم شخصية ممتلئة بنفسها، بأحلامها، برغباتها، بتخيلاتها. بسبب ثقتها العالية بذاتها، تعاني من ذلك النمط من الإعجاب، الذي تربطه صلة قرابة بائسة بالحقد، لأنه ضرب من الحسد.

شخصية جارفة تمرّ دون أن تفطن إلى الالتفات لأحد، معنية بنفسها فقط. فالأدب هو الطريقة المستميتة لقول ما نشاء وتوصيله إلى الآخرين. الأدب كله اختزله يومًا "غوستاف فلوبير" الأديب الفرنسي عندما قال "مدام بوفاري هي أنا".

فمن هذه "الأنا" تنبع كل رواية، وكل رواية هي سيرة ذاتية بالمعنى الغامض والسحيق للكلمة. الكتابة دائمًا إعادة تأكيد أمل ما. وأنا أردتُ تقديم امرأة مستفزة، لا ترضخ ولا تساوم على قناعاتها، امرأة واضحة إلى حدّ السطوع، قوية بحيث لا تسلك الطرق المعبدة التي شقّها وعبّدها الأسلاف وفق منطق ذكوري وسلطوي. أظنّ أن "نازك خانم" أتت "الآن" في وقتها، لتصفع قناعات النساء قبل الرجال؛ فمجتمعنا العربي يضج ّبنساء متمسكات بأصفادهن.

15