نساء انتصرن على الرجال في ثورات التحرر

تكشف تجربة الروائي عادل عصمت الفائز بجائزة “نجيب محفوظ” التي يمنحها قسم النشر بالجامعة الأميركية 2016 عن “حكايات يوسف تادرس”، عن كاتب يتميّز بأسلوب ممتع في السّرد، وتمكنه من ضبط إيقاع الحكاية دون زوائد تعوق حركة السرد وتفاعل الشخصيات، وكذلك لغته الأثيرة والعذبة.
السبت 2017/07/08
الانتصار ليس سهلا

تميزت رواية المصري عادل عصمت الأخيرة “صوت الغراب” كغالبية أعماله السابقة بعذوبة اللغة وفتح مساحات كبرى للسّرد، خاصة وهو يغوص في عمق الشخصيات، أثناء اختبارها في مواقف الحياة، المهم أن الشخصيات كانت أكثر إشكالية من رواية الكاتب الأولى “حكايات يوسف تادرس”، باستثناء البطل المنعزل.

انهيار عالم الجماعة

تطرح الرواية الجديدة، الصادرة عن دار الكتب خان بالقاهرة، عبر أزمات شخصياتها، قضية مهمّة تتمثّل في أزمة الفرد الناتجة عن الآخر والجماعة التي ينتمي إليها، وهي رؤية مُمتدة في عمله السّابق.

أزمة الفرد في هذه الرواية ليست نِتاج فرديته بل هي نتاج اندماجه في الجماعة؛ فالبطل الرئيسي تبدأ أزمته من الانهيارات المُتتالية لعالم الجماعة الذي ينتمي إليه، فسيرة العائلة تطرح كلّ فترة فرعًا معوجًا، بدءًا من الجدّ أصل العائلة مندور البري وما روي عنه من أنه “صَرع وحشًا، كان يمنع الناس من المرور في أثناء الليل إلى بيوتهم” وكذلك غرام جده بدوي بالبنات الصّغار في نهاية حياته ثم ما دبَّ “في البيت الكبير من خلافات” انتهتْ بتأسيس الأب لبيت انتقل إليه، فأوّل ما فقده الراوي هو دفء الجماعة، وهو ما كان تأثيره سلبيًا؛ فمالَ من لحظتها إلى العُزْلة، وبدأ يُحلِّق بعيدًا مُستعيدًا طرفًا من سيرة الجدّ مندور الذي حلّق هو الآخر إلى عالمه دون أن يعرف أحد إلى أين.

يتوالى عالم التحليق مع اختلاف النتائج بدءًا من العمّة سعاد التي كانت هي الأخرى تعيد صورة من صور الجدّ في العشق واللامبالاة بقوانين العائلة، فأحبت ابن أحد العمّال في الوكالة، وضربت بكل التهديدات عرض الحائط، حتى وقعت المأساة باكتشاف مقتله أثناء ذهابه إلى الجيش، وكانت مأساتها الشخصيَّة نتيجة تدخلات عمّ البطل صلاح الذي حال بينهما، وإنْ كانت اتّهمته بأنّه هو القاتل، وصولاً إلى النهاية التي انتهت إليها وكان الرّاوي شاهدًا على طرفٍ من نهايتها. تتكرر أزمات الشخصيات لا فرق بين الرِّجال والنِّسَاء، فابتسام كانت أزمتها في القلق الذي سيطر عليها، بعد مقتل أخيها، لكن تشتدّ أزمتها بعد زواجها من شاب يعمل نجارَ مسلح، تركها وذهب إلى العراق، ثم أرسل إليها ورقة طلاق، وتمّ إجبارها على التنازل عن الشقة من قبل إخوته. وقد دفعت هذه الأزمات الشخصيات بلا استثناء إلى الاتجاه إلى الذات لا بغرض التشرذم وإنما للتماهي معها والتحليق بعيدًا عن عوالم الإخفاقات.

تبدأ الرواية بالبطل (مجهول الاسم) وهو يجترُّ حياته/ مأساته في موازاة ومقاطعة مع حياة عائلته، وهو حبيس غرفته في انتظار حكمهم بإرساله إلى مَصحّة نفسيّة أو بمعالجته في البيت تحت إشراف زملاء أخيه محسن الطبيب، ساردًا بغنائية تتخلّلها تأمُّلات عبر التساؤلات لذاته وللقارئ عمَّا ود البطل من أحلام التحليق والطيران، وما تبع هذا من مغامرات التلصُّص على الآخر، فجاءت مرحلة المنظار الذي كان يتلصص به على فتيات المدرسة ثمّ الجيران، إلى التلصّص على عالم نجوم السينما بعدما فتح له توفيق السّيد عالمًا جديدًا بمنحه هدية أصول الأفلام فصارت هديته تُعادل هدية الدَّراجة التي كانت نواة حُلم التحليق من قبل.

أزمات الشخصيات تسبب الاتجاه إلى الذات لا بغرض التشرذم وإنما للتماهي معها والتحليق بعيدا عن عوالم الإخفاقات

لكن ثمّة مرحلة يلتقي فيها البطل بابتسام التي تصبح المرفأ الذي يُلقي عليه بكل همومه، حتى أنه بعدما تخلَّص ممّا يثقله عرف لأوّل مرة الطريق الذي لم يسلكه في حياته، وكان يساوره قلق وحيرة، عكسه تساؤله “ماذا يفعل لو تركته؟”. أيضا لم تسلم خالته خضرة من أذى الآخر، فكانت أزمتها بسبب ارتباطها بسومة التي قدمت من القرية.

بهذا الطرح كأنّ الرواية تدعو إلى الفردانيّة أو التحلّل من الجماعة، وإن كانت الفردانيّة كمذهب يرى وجوده داخل الجماعة، دون التضحية بالفرد في مقابل الجماعة. وهي فكرة وجد الكاتب أنها الحل والبديل لمشاكل وأزمات شخصياته الناتجة عن وجودها في الجماعة. لذا وجد الجميع الخلاص في التحرُّر، وأنّه الحل الأسهل للتحرُّر من هيمنة الجماعة وإلّا وقع الفرد فريسة لأوهامه وأمراضه على نحو ما حدث لبطل الرواية هنا، الذي تتعقد و تتأزم مشكلته وتصبح بلا حل، حيث يتهيأ ليطير بعدما صار يرى نفسه غرابا في كل شيء من صوته إلى ملامحه الغريبة التي لاحظها الجميع.

مناهضة الأبوية

على الرغم من أن ثمة أبويّة ظاهرة في النص حيث سيطرة الذكورية وهيمنتها على مصائر النساء، إلا أن النساء تمردن على هذه الأبوية، فسعاد لم يمنعها ردع إخوتها من الاستمرار في علاقتها بابن عامل الوكالة، واستمرت تخرج لتقابله عند الخياطة الإغريقية، وأحيانا تخرج بملابس مكشوفة دون أن تأبه بأحد، وعندما حدثت الحادثة له، وقفت أمام الجميع وأعلنت أنها تتهم أخاها صلاح بأنه قتل حبيبها.

وبالمثل مريم التي كان الجميع يخاف تشبيهها بسعاد استطاعت أن تتصدى للجميع بل وانتصرت لعمتها سعاد، فتمردت على قوانين العائلة، وذهبت لتقدم في الإذاعة دون أن تأخذ إذنًا من أحد، وعندما أعلنت قرارها بالانتقال إلى القاهرة قامت ثورة في البيت، لكنها وقفت وتحدت حسن وكأنها تثأر للجميع. وبالفعل غادرت البيت واستقلت في عملها. لكن الخطوة السابقة لهذا التمرد هي ما كتبته وكان أشبه بمذكرات لشخص مجهول، عن تاريخ العائلة وتعريته. هو بداية التمرُّد والمواجهة التي بدأتها على الورق إلا أنّها استطاعتْ أن تُطَبِّقَها فعليًّا. فصار حسن في النهاية يفتخر بأن له أختًا اسمها يَظهر في تحقيقات صحفيّة. في مقابل الشخصيات الذكورية كانت الشخصيات النسائية أكثر قدرة على المواجهة، وهو انتصار للمرأة.

التحرّر من السّلطوية

قدَّمت الرواية شخصيات نسائية قوية بدءًا من العمّة سعاد الغائبة بالموت والحاضرة بسيرتها التي كانت واحدة من التي أكسبت السرد تراجيديا وذروة وتصاعدًا، أو بانعكاساتها على الآخرين. لعبة الحضور لشخصية سعاد في حكاية مريم جاءت لعبة ماهرة رغم تكرر الحدث، لكن تكرار الحدث في حكاية تمرد مريم أكسب الحكاية أبعادًا جديدة لم تكن واضحة في السرد الأول، والأهم أنها مروية من شخصية ستُعيد حكايتها من جديد وكأنّها كانت بمثابة الحافز على التمرد وهو ما كان، وتكفي وقفتها أمام أخيها حسن، ومواجهته بما فعل مع سعاد وهو ما عجز عنه الجميع.

أما الشّخصية الأهمّ فكانت شخصية ابتسام، فعلى الرغم من أنها دخلت أحداث الرواية في منتصفها إلا أنَّها استطاعتْ أن تشغل النصف الأخير بحضورها وعلاقتها بالبطل، وإن جاء الانفصال بينهما ميلودراميا، وربما كان مبرّره تفاقم حالة البطل النفسية، فبعدها دخل طور الانعزال.

الشيء الذي لم أقبله أو أستسغه هو أن الراوي المصاب بالمرض هو الذي يسرد الأحداث، بل نراه يُعلِّق على الكثير من المواقف في صورة تؤكد سلامته، وهو ما يتنافى مع الحالة التي رسمها المؤلف للراوي.

قادتِ الفردانيّة الأشخاص إلى التحرّر من السّلطوية، ونجحَ البعض لكن يبقى عامل القدرة على التحرّر وكيفية التحرّر دون أن يؤثر على الجماعة هو الفيصل، وهو جوهر العمل. سومة تحرّرت وقادت العمّة إلى الضياع، ومريم تحرّرت وقادت حسن إلى الجنون، أما الجدُّ مندور البدوي فكانت سيرته في العائلة بمثابة الشرخ الذي يتخوّف الجميع من إظهاره.

17