نساء بقلوب ميتة

الأحد 2015/07/05

من خلال عملي لسنوات طويلة كطبيبة عيون، لاحظت -بدون أي تحيّز- أن قدرة المرأة على الحب والحنان والتحمل تفوق كثيرا قدرة الرجل، وتأكدت من تلك الحقيقة حين بدأت أهتم بقصص المعاقين وخاصة حين كنت إحدى الطبيبات في لجنة المعاقين، وهي لجنة تقيّم وضعهم وتحدد طبيعة العمل الذي يمكن أن يمارسوه، أو عدم قدرتهم على ممارسة أي عمل.

ومن خلال عملي في لجنة المعاقين وعملي طبيبة عيون لاحظت أن هؤلاء المعاقين يعيشون ويستمرون في الحياة يوما بعد يوم، وقادرون على الابتسام والأمل بقوة حب قلب كبير، هو قلب أم.

لاحظت -وخاصة في حالات الإعاقة الشديدة- أن كل الأسرة، بما فيهم الأب، يتمنون الموت للمعوق، أو يتمنون نفيه وإقصاءه في مصحة، كي ينعمون بحياة ليس فيها ما ينغص عليهم رفاهية أنانيتهم.

وهذا ما دفعني إلى كتابة العديد من قصص هؤلاء المعاقين وأهمها برأيي قصة (يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش) وهو قلب الأم بالتأكيد…

أسترسل بهذا الكلام لأنني أتساءل ببساطة شديدة، وبسذاجة شديدة ربما، لو أن النساء يحكمن العالم ويوجهن سياساته، أما كانت القسوة والوحشية أقل!

لكنني حين أتمعن في وجوه سيدات في مراكز قرار حساسة، مثل هيلاري كلينتون وتسيبي ليفني وأنجلا ميركل وميشيل أوباما وكونداليزا رايس وغيرهن، حين أتمعن في وجوههن كما لو أنني أنقـّب في أعماقهن، متمنية لو يملكن قلب أم، كقلب أم بسيطة وفقيرة تتعبد حبا وخدمة لابنها المعاق، ولا تتذمر ولا تحس بتعب بل تستمد قدرتها اللانهائية على الحب والعطاء من قلب الله.. من كل قوى الخير والرأفة الموجودة في العالم..

لا أجد قلب أم للأسف في أعماق السيدات النجمات اللاتي يزرننا في بيوتنا كل يوم ويتكلمن ببرود وعجرفة وهن بكامل أناقتهن ووجوههن الشمعية..

وغالبا ما تكون الشاشة منقسمة إلى نصفين، نصف يعرض صورا مروعة لمجازر يدفع ثمنها الأطفال والنساء، ونصف يعرض صورة إحدى السيدات النجمات في السياسة وهي تتحدث متبنية تماما سياسة المصالح الخاصة بدولتها، مغيبة تماما قلبها كأم، وراضية أن يكون قلبها مجرد مضخة دم.

ولازلت أستفز في كل مرة أجد إحدى السيدات ذوات المناصب الحساسة يتكلمن، تصيبني حالة من التنبه الشديد فأركز كل انتباهي وأحاسيسي على وجوههن الشمعية وأتساءل، لماذا لا يتمردن على سياسة لا أخلاقية وظالمة، ومدمرة لسعادة وأمان ملايين من الأطفال والنساء، والأسر التي لا تحلم إلا بعيش آمن!

ألا يفترض بهن أن يشعرن أن أطفال العالم أطفالهن؟! كيف قبلن المساومة على دورهن الأساسي والجوهري في الحياة، وهو الحب بلا حدود، لأن الحب أساسه العدالة والرأفة والحنو، ليس على الإنسان فحسب بل على كل الكائنات.. أن تكون المرأة أماً يعني أن تكون أماً كونية .. تنظر وتتعامل بعين المحبة والحنان لكل من حولها.

لكن للأسف لم أجد أي دور لطاقة الحب الهائلة المختزنة في قلب الأمهات والنساء اللاتي يتسلمن مناصب سياسية حساسة، لقد ارتضين أن تـرهن قلوبهن لمصالح الرأسمالية العالمية المتحكمة بالبلاد والعباد، ارتضين أن يسخرن من أقوى قوة في الكون، قوة قلب محب، قلب أم.

وارتضين أن يكن كعارضات الأزياء يلبسن الملابس الفاخرة والإكسسوارات الجميلة وأن ينتشين بالأضواء ويتكلمن كما يلقنهن أسيادهن تماما..

وكم أحس بالخزي حين أجد العديد من الصحف تجري مقابلات مع تلك السيدات ويكون قسم كبير من المقابلة عن عاداتهن الشخصية، ومن يختار لهن ملابسهن، وماذا يأكلن ويشربن.. ومن مصمم الأزياء المفضل لديهن..

ولا أستثني طبعا زوجات رؤساء الدول اللاتي بدورهن يمارسن دورا استعراضيا زائفا في دعم شعوب أذلها القهر والاستبداد والظلم، فنرى زوجة إحدى الرؤساء تلبس آخر صيحات شانيل أو كريستيان ديور، وتحتضن بحذر طفل فقير أو مصاب بشظية أدخلته خانة المعاقين، والسيدة مفرطة الأناقة، والزوجة المصون للحاكم تطبع قبلة يهوذا على خد الطفل البائس..

للأسف هؤلاء النساء اللاتي يتمتعن بالمناصب والنفوذ ارتضين أن يكن مستأجرات ومجرد موظفات عند قوى لا تعرف للإنسانية معنى، ولا تقيم لابتسامة طفل أي قيمة، ولا يهمها إحلال السلام والطمأنينة في العالم..

نساء ارتضين أن يتنازلن عن أكبر قوة مشرّفة في الكون، قوة قلب محب، قوة قلب أم.. وأن يقبلن أن يكن خادمات في سياسة ترضى أن تكون ممارسات أسيادها أسوأ من ممارسات حيوان.

21