"نساء بلا غد".. قصة لثلاث نساء سوريات هاربات من جحيم الحرب

جهاد النكاح والتهجير واللجوء في مسرحية عراقية - سورية – مصرية.
السبت 2021/04/03
مسرحية تنتقد دور العنف في تعميق معاناة النساء

النساء يدفعن الثمن مرتين في النزاعات المسلحة، فهن يذقن حسرة الفقد ومرارة السبّي ومخاوف مستقبل طريقه محاط بذئاب بشرية مترقبة. كما أنهن يعشن سنوات من الآلام والأحزان والقلق قبل القدرة على صناعة واقع جديد. وتمتزج تلك الأفكار جنبا إلى جنب في العرض المسرحي «نساء بلا غد» الذي كان لـ»العرب» هذا اللقاء مع مخرجته السورية نور نواف غانم.

مسرحية “نساء بلا غد”، إنتاج المعهد العالي للفنون المسرحية بمصر، في معاناة المرأة السورية النفسية والحياتية من منظور نسائي خالص، فليس هناك أعلم بمشاعر المرأة من بنات جنسها.

لا يزال العرض المسرحي جاذبًا للجمهور، رغم مشاركته بمهرجان زكي طليمات للمعهد العالي للفنون المسرحية، ومهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، وظهر ذلك جليًا خلال عرضه الأخير على خشبة مسرح معهد جوتة الألماني بالقاهرة مؤخرا، ضمن مبادرة “شباك الفن”.

نور نواف غانم: اللجوء السياسي ليس الجنة الموعودة التي يحلم بها البعض
نور نواف غانم: اللجوء السياسي ليس الجنة الموعودة التي يحلم بها البعض

آلام نسائية

ترتكز “نساء بلا غد” على نص  للكاتب العراقي جواد الأسدي، بعنوان “نساء بلا رب”، تلقفته المخرجة السورية نور نواف غانم، لتجسده لمعالجة جديدة بفريق تمثيل مصري خالص.

وتقول مخرجة العرض لـ”العرب” إنها عندما بدأت قراءة النص الأصلي، لم تكن تنوي تحويله إلى مسرحية، وتغير الأمر بمجرد قراءة سطور منها، تفاعلت معها مشاعرها ووجدت دموعها تذرف تأثرا بالأحداث التي تعيشها كل امرأة في سوريا طيلة ما يتجاوز عشر سنوات من الحرب حتى باتت السورية أمًا لقتيل أو قاتل.

جرت مناقشات بين المؤلف العراقي ومخرجة المسرحية السورية حول الصورة النهائية التي يظهر عليها، وسمح لها بوضع بصمتها ورؤيتها الأنثوية على العرض، بإضافة مشاهد وحذف أخرى قبل أن تخرج إلى النور.

تتصاعد أنفاس مخرجة العرض في أثناء الحوار مع “العرب” بسبب تأثرها بسرد تفاصيل المسرحية الواقعية التي تحكي مأساة وطنها قبل بطلاتها بحرب لا تزال دائرة هدمت المنازل، وتنوح بقاياها على سكانها الذين إما فقدوا أو هجروا.

تؤكد غانم أن المسرحية تحكي مأساة ثلاث نساء من مناطق مختلفة في وطنها، لكل منهن عاداتها وتقاليدها المختلفة، وجميعهن يهربن من ويلات الحرب الدائرة، فيلتقين في ملجأ طالبي اللجوء السياسي إلى ألمانيا، وفي غرفة التحقيق قبل السماح لهن باللجوء تبدأ كل واحدة منهن سرد حكايتها مع الحرب.

لكل واحدة من الشخصيات الثلاث أفكار ومعتقدات مختلفة نابعة من المعاناة والمنطقة أو البيئة التي نشأت فيها، لكنهن انصهرن جميعًا في بوتقة ضحايا الحرب، الأولى “مريم” ابنة بلدة حماة بسوريا التي تحمل أفكارًا متشددة، وتقع ضحية جهاد النكاح، فتغتصب من أكثر من ذئب يرتدي عباءة الدين من أنصار تنظيم داعش وتقيم علاقة محرمة مع رجل من البوسنة وتتعرض للإجهاض، ما أصابها بعدم اتزان نفسي يؤثر على حياتها بأكملها، فتهرب من جحيم الحرب بسوريا لتصطدم بتعقيدات جنة اللجوء الموعودة في ألمانيا، لتصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار.

تجعل المنطلقات الفكرية “مريم” في خلاف دائم وشجار مع الشخصية الثانية في الملجأ “أيدل” المتحررة ابنة بلدة اللاذقية التي تعاني من اغتصاب الدواعش، وحسرة على ابنة تلقت رصاصة في قلبها المثخن أصلاً بثقب خلقي في القلب.

المخرجة السورية تنجح في رسم الشخصيات الثلاث بصفاتهن والأداء الحركي بسلاسة ونعومة
المخرجة السورية تنجح في رسم الشخصيات الثلاث بصفاتهن والأداء الحركي بسلاسة ونعومة

تأتي “فاطمة” الضحية الثالثة ابنة دمشق لتمثل الوسطية أو حمامة السلام، رغم تعرضها كزميلتيها للاعتقال والاغتصاب لمجرد أنها فنانة مشهورة، وتتدخل باستمرار لفض المشاحنات والمشاجرات المشتعلة دائما بين “مريم” و”أيدل”.

نجحت المخرجة السورية في رسم الشخصيات الثلاث بصفاتهن والأداء الحركي بسلاسة ونعومة، حتى الأغراض البسيطة اللاتي هربن بها من جحيم الحرب، فهذه مريم في حقيبتها مصحف وفي ركن قصي صورة لحبيبها البوسني السابق، وكانت زجاجة الخمر أهم غرض في حقيبة المتحررة “أيدل” التي تعاقرها للهروب أو النسيان، وفاطمة لا تفارقها ملابس المسرح وبعض الكتب المتماشية مع عملها كفنانة.

وتؤكد غانم لـ”العرب” أن العنف الذي يتعرض له الإنسان يصنع منه شخصا لا يحل مشاكله إلا بالضرب والشجار، وكانت تلك فكرة أساسية تطل من خلال العرض مع كل تشاجر بين “أيدل” ومريم”، كضحيتيّ الحرب والعنف باستمرار، حتى أن “فاطمة” تقولها صراحة: أليس هناك حل للمشاكل إلا العنف والشجار؟

يعرج العرض إلى رحلة الهجرة غير الشرعية الصعبة التي يتعرض لها المهاجرون والمهاجرات هربا من جحيم الحرب أو سوء الأحوال المعيشية، خاصة “أيدل” التي تمشي على قدميها أكثر من 40 كيلومترا لتصل إلى ملجأ اللجوء السياسي في براغ.

المسرحية تحكي مأساة ثلاث نساء من مناطق سورية مختلفة، جميعهن هاربات من ويلات الحرب
المسرحية تحكي مأساة ثلاث نساء من مناطق سورية مختلفة، جميعهن هاربات من ويلات الحرب

الجنة المزعومة

تشير مخرجة العمل إلى أن اللجوء السياسي ليس الجنة الموعودة التي يحلم بها البعض، وأبرزته من خلال التحقيق مع النساء الثلاث قبل الموافقة على لجوئهن سياسيًا، إذ يتعامل معهن فريق التحقيق كجثث مجهولة ملقاة على طاولة تشريح لا يهم أسباب الوفاة ولا موعد الدفن، لكن الأهم هي العدوى التي قد ينقلنها لبلادهم.

وتلفت إلى أن الأفعال السلبية للاجئين جعلت المسؤولين في الغرب يتعاملون مع طالبي اللجوء بحذر وتخوف وتوجس، فما يهمهم هو الحفاظ على أمان بلادهم أولاً وأخيرًا، مهما أعلنوا من شعارات الترحيب باللاجئين.

ويمثل اختفاء المحققين مع النساء الثلاث، والاكتفاء بمخاطبة الجمهور إسقاطا على العالم أجمع الذي يقف صامتا أمام ما يحدث في سوريا من جرائم  التهجير القسري لضحايا الحروب ومن بينهن بطلات المسرحية.

وتلفت غانم في حديثها لـ”العرب” إلى أن طول أمد الحرب بسوريا دون التوصل لحل، دفعها إلى تغيير نهاية المسرحية، حيث كانت في عرضها الأول عام  2017 تنتهي بالتفاؤل في شكل طفلة تظهر بنهاية المسرحية وتعلن نهاية الحرب والأوجاع، لكن الواقع القابض على بلادها واستمرار المعارك جعلها تطابق مشهد النهاية بالبداية، فتمُثل السيدات الثلاث للتحقيق دون أن يعلن المحققون قبولهن كلاجئات أم لا لتصبح اسما على مسمى “نساء بلا غد”.

وجاء الديكور الفقير متعمدًا لتصوير الملجأ الذي لجأت إليه بطلات المسرحية فلم يكن به سوى مائدة وكتب مبعثرة وخلفية ستارة سوداء، ورغم ذلك كان بسيطًا، وهادئا وجميلا بلا صخب أو ضوضاء.

تتكرر الفكرة ذاتها مع اختيار المخرجة لفكرة المونتاج السينمائي بعرض مشاهد متنوعة ومختلفة للخروج من حالة القتامة والسوداوية التي كادت تكسو العرض ليبتعد عن تجسيد المأساة إلى سرد يوميات بطلات العرض، بما تحمله من مشاهد الكوميديا السوداء مثل ركوب “أيدل” أسفل سيارة نقل الحيوانات.

أداء الفنانات المصريات بسمة ماهر، ونهال الرملي، وسماء إبراهيم التي جاءت بدلاً من الفنانة لونا أبودرهمين، كان ناعما ومدركا لحجم ما تعبرن عنه من مآس، بطريقة سلسلة بلا ضجيج ولا صوت عالٍ أو افتعال، وإن كان يعاب على بعضهن سقوطهن في بعض الهنات اللغوية.

على مستوى الإضاءة لم يكن موفقًا استخدام المصباح الكبير المعلق في الجزء الأيمن من خشبة العرض الذي يسلط نوره على وجوه البطلات أثناء التحقيق معهن، فلم تعبر عن رؤية المخرج في أثناء رواية كل شخصية لما حدث لها، ربما لضعف الإمكانيات على خشبة مسرح معهد جوتة الألماني الذي احتضن العمل.

حافظ النص المسرحي “نساء بلا رب” الذي كتبه المؤلف والمخرج العراقي جواد الأسدي على صيده التكريم بشكل مباشر أو غير مباشر، فبعدما حصد جائزة الأمير كلاوس للمسرح عام 2004، فازت نسخته المسرحية المعالجة من قبل نور نواف غانم على عدة جوائز أهمها: أفضل عرض وأفضل إخراج في مهرجان المسرح السنوي، وأفضل عرض ثانٍ في مهرجان إبداع الشارقة، وأفضل إخراج أول في مهرجان الشارقة أيضا.

13