نساء خلف القضبان يتفوقن على الرجال في احتراف الإجرام

الأسباب التي تدفع النساء إلى الانخراط في عالم الجريمة متعددة ومعقدة، وهن لسن دائما ضحايا أو مشاركات سلبيات، لكن اندفاعهن نحو العنف والقتل يبقى من الأمور غير الطبيعية ولا يجب الاستهانة بها.
الأحد 2017/11/26
نساء ضللن طريق التسامح مع المجتمع

ارتفعت في السنوات الأخيرة نسبة الجرائم التي ارتكبتها النساء حول العالم لتقوض المعتقد الشائع بأن الإجرام صفة ذكورية، ولتؤكد أن المرأة أصبحت مثل الرجل ضالعة في ممارسة العنف واقتراف مختلف أنواع الجرائم.

وترتكب المرأة حوالي 5 بالمئة من مجموع الجرائم في أيّ مجتمع، وتكون المحرض على 10 بالمئة من جملة الجرائم.

وكشفت دراسة أجراها معهد البحوث الجنائية بالمملكة المتحدة على 219 بلدا حول العالم أن عدد السجينات في العالم يزداد بوتيرة أسرع من عدد المساجين الرجال.

ووصل عدد السجينات في عام 2015 إلى ما يقارب الـ700 ألف سجينة، 50 بالمئة منهن موجودات في سجون الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا.

وعلى الرغم من أن عدد السجناء لا يزال يفوق عدد السجينات حول العالم، إلا أن نوعية الجرائم الشائعة التي يرتكبها الجنسان تكاد تكون متشابهة.

وبينت دراسات ميدانية وجود الملايين من النساء المدانات في قضايا تهريب المخدرات والرشوة والقتل والتزوير والاعتداء بالعنف والنصب والاحتيال، بالإضافة إلى “الجرائم الأخلاقية”.

وبرزت العديد من النساء في عصابة بادر ماينهوف في ألمانيا التي اشتهرت بأعمالها المشبوهة ومخططاتها الإجرامية التي أرقت قوات الأمن الألمانية، وعصابة الألوية الحمراء في إيطاليا المسؤولة عن العديد من حوادث العنف، بما في ذلك عمليات الاغتيال والخطف والسرقات، وتنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق الذي انضمت إليه العديد من النساء من جميع أنحاء العالم، وتشير التقديرات إلى أن النساء يشكلن حوالي ثلث عدد المقاتلين وثلث فرق التفجيرات الانتحارية كذلك.

جرائم أنثوية

تبدو نسب الجرائم التي ترتكبها المرأة العربية محدودة بالمقارنة مع ما هو سائد في الدول الغربية، إلا أن نوعية الجرائم التي تورطت فيها نساء عربيات تكشف عن وجه عنيف للجنس اللطيف واستعداده لارتكاب كل أنواع الجرائم التي كانت عصية عليه في الماضي.

وتحوّلت جرائم الاعتداء بالقتل التي ترتكبها النساء مع سبق الإصرار والترصد إلى ظاهرة خطيرة في بعض المجتمعات العربية، نظرا لحدوثها باستمرار وبأساليب بشعة في غالب الأحيان.

وأشارت الإحصاءات الجنائية الصادرة عن وزارة الداخلية السعودية إلى أن جرائم القتل التي ترتكبها النساء في تزايد مستمر.

وذكرت سارة الجوير الباحثة في علم الاجتماع بجامعة الملك سعود، في إحدى دراساتها التي رصدت فيها جرائم القتل المرتكبة من قبل النساء، أن نسبة الجرائم التي تورطت فيها المرأة السعودية كمحرض بلغت 10 بالمئة، في حين بلغ مجموع الجرائم في 7 أعوام نحو 942 جريمة قتل.

وفي مصر كشفت دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أنّ جنايات القتل المتعمّد تحتل المرتبة الأولى في قائمة الجرائم التي ترتكبها النساء في مصر بنسبة 33.6 بالمئة.

وتقبع حاليا في سجون عدة دول عربية أخرى على الأرجح أسوأ القاتلات، فيما توجد الكثير من الجرائم التي ارتكبتها نساء ما زلن طليقات، ولم تثبت إدانتهن أو لم يكتشفن بعد.

وأكد خليفة الشيباني الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للحرس التونسي في تصريح له لإحدى الإذاعات التونسية أن تونس بدأت تصل إلى المساواة بين الجنسين في ارتكاب الجريمة.

فيما اعتبر ضابط في الجيش التونسي خيّر عدم ذكر اسمه نظرا لحساسية مهنته التي تفرض عليه الالتزام بالسرية، أن المرأة لم تعد تختلف عن الرجل في إقدامها على ارتكاب مختلف الجرائم، كالقتل والسرقة والتحيّل والانخراط في التنظيمات الإرهابية وغيرها.

وقال الضابط في تصريح لـ”العرب”، “توجد العديد من الأسباب التي تجعل الكثير من النساء يتجهن إلى السلوكيات الانحرافية ويرتكبن الجرائم”.

وأضاف “المرأة التونسية شأنها شأن المرأة العربية تعاني من الفقر والبطالة والتهميش والعنف الزوجي والتحرش، وربما من الجهل والأمية في الكثير من الحالات، وجميع هذه العوامل تتكاتف لتقلب سلوك البعض من النساء رأسا على عقب وتجعلهن يرتكبن أفعالا متطرفة ومعادية للمجتمع وقد يصل الأمر بهن إلى حد ارتكاب جرائم بشعة”.

تشابك العوامل

تتعد العوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وتتشابك لتجعل المرأة تجنح نحو الجريمة كأقصى مظاهر العنف والتمرد على المشاكل التي تواجهها في مجتمعها، غير أن بعض الخبراء يرجعون ظاهرة الإجرام الأنثوي إلى تطور المجتمعات أيضا، والذي أدى بدوره إلى انخراط المرأة في نشاطات مختلفة وأدوار أكثر اتساعا جعلتها تنافس الرجل وتحاول أن تكون مثله في جميع الميادين بما في ذلك عالم الجريمة.

ويرى المحامي التونسي مختار الجماعي أن الظاهرة الإجرامية ظاهرة اجتماعية ولا يمكن لأيّ مجتمع أن يخلو منها مهما بلغ من التحضر مداه.

وقال الجماعي لـ”العرب”، “الممارسة الإجرامية تختلف بحسب عناصرها الموضوعية، وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن خصوصيات العلاقة بين المرأة وبين تلك الظاهرة”.

وأضاف “بالرجوع إلى المعطيات الإحصائية وبالاستئناس بالممارسة المهنية اليومية يتبيّن انخراط المرأة في العمل الإجرامي، وخاصة من موقعها كمجنيّ عليها، والذي تغلب عليه الجرائم الجنسية بدرجة أولى وجرائم العنف والاعتداء على الجسد في درجة ثانية وهذا راجع إلى نظرة دونية لا تعطي المرأة حقها، وتعتبرها فقط مصدرا للمتعة الجنسية أو تعتبرها كائنا ضعيفا يسهل الاعتداء عليه، لكن المشكل يكمن في تحوّل هذا الكائن المعتبر ‘ضعيفا’ إلى كائن متوحّش، ومن ضحية إلى مرتكب للفعل الإجرامي”.

وأشار الجماعي إلى ثلاث خصوصيات يتميز بها الإجرام النسائي أوّلها القلّة، إذ لا يتجاوز في الجنح والجنايات نسبة 18 بالمئة، بما يجعل الجنس الذكوري هو الأقرب إلى الفعل الإجرامي، وهذا الرقم قد يتدنّى في جرائم الدم، ويزيد في الجرائم الأخلاقية والجرائم النظيفة أو ما يعرف بـ”جرائم الياقات البيضاء” أي الجرائم غير العنيفة، وثانيها التخصّص الذي يجعل تواجد العنصر النسائي ضعيفا في الجرائم الإرهابية والسياسية ويكتسح في الجرائم الأخلاقية الجنسية خاصة والاختلاسات من المحلات التجارية، وثالثها التعقيد فبالرغم من الاعتقاد الشائع ببساطة العقل الأنثوي إلاّ أن القدرة الشديدة على إفلات المرأة من العقاب نتيجة التخطيط المحكم للعملية الإجرامية خاصة في حالات التسميم تثير الصدمة في أحيان كثيرة.

وختم الجماعي بقوله “عموما تنخرط السياسة الجنائية التونسية ضمن التوجهات الحديثة القائمة على محاربة الجريمة والحدّ من ظاهرة العودة إلى الجريمة، وينطلق ذلك من الرقيّ بالوضع المادي والثقافي للمرأة وتغيير النظرة الدونية لها”.

الممارسة الإجرامية تختلف بحسب عناصرها الموضوعية، وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن خصوصيات العلاقة بين المرأة وبين تلك الظاهرة

الرادع الأخلاقي

لم تنل ظاهرة الإجرام الأنثوي حظها من البحث رغم الاهتمام المتزايد بقضايا المرأة منذ منتصف القرن الماضي، ولا يوجد إلا عدد قليل من البحوث التي عرّجت بشكل سطحي على الجرائم التي ترتكبها النساء.

وترجح أبحاث نفسية أن المرأة التي تولد بمدارك عقلية سليمة ستكون في الواقع محبّة للسلام والتعايش مع الآخرين في الأمن والأمان، ما لم تحولها البيئة التي نشأت فيها إلى مجرمة.

وتوجد البعض من التفسيرات الأخرى التي تبين إلى أيّ مدى يتأثر مخ المرأة بمختلف العوامل المحيطة بها، بما فيها الصدمات النفسية التي تتعرض لها في حياتها، والتي قد تؤثر على الرادع الأخلاقي لديها، وبالتالي تصبح لديها ميولات مرتفعة للانحراف نحو الجريمة.

وقدمت الباحثة الأميركية في علم الجريمة ريتا جيمس سيمون في كتابها “النساء والجريمة” تفسيرا قائما على نظرية ألفرد أدلر التي ترى أن جرائم النساء تمثل نوعا من التمرد والاحتجاج على المجتمعات التي يحكمها ويتحكم فيها جنس الذكور، وخاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

وأشارت سيمون إلى الزيادة الملحوظة في جرائم النساء لا سيما الجرائم ذات الطابع الاقتصادي، فيما بقيت الجرائم الأنثوية العدوانية ثابتة، مرجحة أن الاستقلالية والحرية التي أصبحت تتمتع بها المرأة، مثلت عاملا أساسيا في جعل المرأة ترتكب جرائم اقتصادية مشابهة لتلك التي يرتكبها الرجل.

ويجمع البعض من الباحثين على حقيقة واحدة وهي أن النساء لسْن أقل مقدرة من الرجال على اقتراف الجرائم، وإن كان إجرامهن الموثق يجنح إلى أن يكون ذا مستوى منخفض وأقل تكرارا من إجرام الرجال.

وقال الباحث التونسي في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد “لقد مضى الزمن الذي نقارب فيه بين الظواهر الاجتماعية على أساس الجنس، بحيث تُربط بعض الظواهر بالإناث وبعض الظواهر الأخرى بالذكور”.

وأضاف بالحاج لـ”العرب”، “كما نجد الإناث في مقاعد الدراسة ومراكز العمل وفي الفضاء العام جنبا إلى جنب مع الرجل، فإننا نجدهن أيضا في الجريمة المنظمة والهجرة السرية، فإذا توفرت نفس الدوافع والظروف فإننا سنكون إزاء نفس النتائج، بقطع النظر عن الجنس وهكذا فإن ما يدفع الفتيان للجريمة هو ذاته ما يدفع الفتيات نحوها”.

وأوضح “ثقافة الموت والتخريب تتسع يوما بعد يوم وتغذّيها مشاهد الموت والتنكيل الوحشية التي تعج بها المواقع الاجتماعية ونشرات الأخبار، وبالتالي أصبح العنف النسوي هو الوجه الآخر للعنف الاجتماعي والمدرسي وحتى السياسي”.

وواصل “هذا السياق العدواني وهذه البيئة العدائية جعلت العنف والجريمة لا يقتصران على الفضاء العام، بل ويصلان حتى إلى الفضاءات الخاصة ويمسان علاقة أفراد الأسرة الواحدة وخاصة علاقة الأولياء (نساء ورجالا) بأبنائهم”.

وختم بالحاج بقوله “حجم الضغط النفسي والاجتماعي المسلّط على أفراد المجتمع من الشباب والكهول قد اخترق آخر وأهم حصن للتنشئة الاجتماعية السليمة والمتوازنة وهو مؤسسة الأسرة وأكبر ضحاياه هم الأطفال”.

مذنبة أم مجني عليها

التفرقة في الصغر

لكن الجانب الرئيسي الذي نوهت آية خانجي، خبيرة التنمية الذاتية ومديرة الأكاديمية الدولية للتدريب والكوتشينغ في لندن، إلى ضرورة التركيز عليه في دراسة ظاهرة الإجرام الأنثوي هو أسلوب التربية في الطفولة المبكرة، والذي يمكن أن يؤثر بطريقة شبه لا شعورية على سلوكيات الفتاة في الصغر، وقد يتفاقم الأمر أكبر في مراحل حياتها المستقبلية ليصل إلى حد ممارسة العنف وارتكاب الجرائم.

وتعتقد خانجي أن التفرقة التي تحدث في الطفولة بين الإناث والذكور تمثل جزءا من المشكلة، لأنها قد تهيئ الظروف للانحراف بطرق مباشرة أو غير مباشرة.

وقالت خانجي لـ”العرب”، “نشوء الفتيات في بيئة علمية وصالحة أو محافظة لا يمكن أحيانا أن يحول دون انحرافهن، لأن ما يحصل داخل تلك البيئات من سلوكيات وآثار نفسية قد لا يدركها المحيطون بالفتاة فيما تشعر هي بذلك وتتأثر به”.

وأوضحت “مثلا عندما تنشأ الفتاة في بيئة ترفض وجود الأنثى وتفضل الذكر يجعلها ذلك تشعر بالرفض منذ عمر مبكر، وتتوالى البرمجات اللاواعية التي تكبت فيها قدراتها وإمكانياتها، لتفرض عليها فقط ما هو مسموح ومقبول بالنسبة إلى المجتمع ومرفوض بالنسبة إليها”. وأضافت “هذه العوامل قد تدفع المرأة إلى التمرد على وضعها الذي تعتبره مجحفا، فتندفع لا شعوريا إلى ارتكاب الجريمة وليس أيّ جريمة، نظرا للكبت الذي تعيشه والألم الذي تحمله بداخلها، جريمة قد تكون أعنف وأشرس وأدهى من جرائم الرجل بمراحل”.

وأشارت خانجي إلى أن نمط الحياة السريع وتعدّد المسؤوليات المهنية والأسرية قد جعل المرأة أكثر عرضة إلى الضغوط السيكولوجية والإرهاق، والإصابة بالاكتئاب والأمراض النفسية، وجميع هذه العوامل قد تدفعها لارتكاب الجرائم”.

وشددت خانجي على أن الإجرام الأنثوي ليس من المريح الاعتراف به، لكن الدّرس المهمّ الذي يجب أن يركز عليه الخبراء هو عدم الاستهانة بهذه الظاهرة نظرا لأهمية موقع المرأة في النسيج الاجتماعي وتأثيرها الكبير على تربية النشء وزرع القيم في الأجيال.

صحافية من تونس مقيمة في لندن

20