"نساء طرواديات" مسرح تفاعلي مع الراهن السوري وآلامه

الخميس 2014/01/30
مسرحية "نساء طرواديات" لاجئات سوريات على الخشبة

نشرت “العرب” مقالا حول مسرحية “نساء طرواديات’” لمخرجها عمر أبو سعدة التي عرضت في عمّان، وكانت تجربة لافتة لكونها اعتمدت على ممثلات لم يسبق لهن التمثيل مطلقا، بل وكنّ من اللاجئات السوريات في مخيم الزعتري، هنا نقدم وجهة نظر المخرج حول عمله.

إنّ العمل مع نساء لم يسبق لهن التمثيــل في المســرح له خصوصيــة شديـــدة، ولذلك فإن التعريفات الكلاسيكية للمسرح على أنه حبكة وصراع لا تصلح لمعايرة هذا النوع من العروض، واستخدامها في هذا المجال، ينمّ عن عدم إلمام بهذا النوع من المسرح خصوصا، وبالتطوّر الذي يتحرك فيه المسرح في كل العالم والذي يتجاوز كل التعريفات الأكاديمية المقترحة عموما.

حين نتحــدث عن هذا الصنف من العروض علينا استخدام مفـــردات لها علاقـــة بالمسرح التفاعلي أو مسرح المقهورين أو المسرح الوثائقي، فلا يمكن الكتابة عن هذا العمل دون الاستناد على هذه المفردات التي تشكل المفاتيح الأساسية لتحــليل العرض.

ومن الضروري حينها الانتباه إلى أن هناك مستويين للعمل، الأول: هو مرحلة التدريبات وهي المرحلة الأساسية، لأنها تركز على تطوير قدرات المشاركين على التعبير والتحرر من المخاوف والضغوط الاجتماعية بمختلف أنواعها، وفي هذه المرحلة نرصد التغيرات الكبيرة على شخصيات المشاركين. والمستوى الثاني: العرض، وهو النتيجة الفنية التي يبنيها فريق العمل بشكل جماعي.


شهادات حية


النص الإغريقي لا يلتفت إلى قصة الحصان إلا بشكل عرضي، فنص يوريبيديس يتحدث عن لحظة ما بعد انتهاء الحرب على طروادة والنسوة في مخيمات الاعتقال ينتظرن السفن لمغادرة بلادهن نهائيا.

على الرغم من أننا لعبنا على الاستعارة بين سوريا وطروادة، إلاّ أن عرضنا بالتأكيد لم يشر إلى قصة الحصان، ولم يرد فيه لا من قريب ولا من بعيد أي حديث عن المؤامرة الخارجية”.

حمل العرض أربع شهادات فكل واحدة من النساء قدمت شهادتها الخاصة لتجربتها المباشرة دون أي اختلاق أو تأليف روائي. ففي استخدام الشهادة كوثيقة، جزء أساسي من العمل المسرحي منذ العرض الذي قدّم مع السجناء الأحداث في دمشق 2008، ومن ثمّ العرض الذي وثقت فيه أصوات الناشطين السوريين على “الفيسبوك” في بداية الثورة في أيار 2011، ومسرحية “فيك تتطلع على الكاميرا” التي قدّمت فيها مجموعة من الشهادات عن الاعتقال السياسي في سوريا 2012، و”الحميمية” 2013 التي أدلى فيها ممثل سوداني بشهادته عن الحياة الثقافية والوسط الفني في سوريا.

عرض “الطرواديات” قدّمت فيه النساء شهاداتهن عن تجاربهن في الفترة الأكثر قسوة من تاريخ سوريا المعاصر، شهادات عن القتل والتدمير والنزوح إلى المخيمات. في كل واحدة من هذه العروض فسح مجال لأصوات هامشية لم تتح لها أن تأخذ مساحتها الكافية. ومن الطبيعي أن صوت النسوة لم يأخذ مساحة كافية ليقول تجربته عمّا يجري اليوم في سوريا. في الشهادة الثانية تتحدّث فتاة بوضوح عن وجودها في منطقة البياضة، ولا تغيب دلالات المكان الذي يلقى أعنف المجازر على أيدي قوات النظام. وهنا قالت الفتاة إن أباها وأخويها قد ذبحوا على يد جيش النظام أثناء مداهمة وحصار المنطقة. ضمّت الورشة عددا من النساء المتزوجات بمنشقين عن الجيش أو الأمن النظامي، ولهذا فإن الإشارة للبطاقة الأمنية للزوج في الشهادة الثالثة هي إشارة طبيعية، وهنا وجب التطرّق إلى كل التفاصيل التي تتحدث عن منع حاجز النظام للمرأة وعائلتها من الخروج من المنطقة التي تتعرض للقصف وحالة الهلع التي أصابتها مع أطفالها والتي هي جوهر القصة.

عمر أبو سعدة: عندما نبدأ عملنا لا نتبنى أيّة رؤية سياسية، وإنما نقوم بتطوير رؤية العمل مع المشاركين

في الشهادة الرابعة للفتاة تحكي قصة نزوحها وتسمي بالتحديد حاجز المخابرات الجوية وتصفه وتحكي مخاوفها الهائلة منه.


انحياز للتعبير

شهادة المرأة الأولى عن مجموعة مسلحين ملثمين قاموا بقتل أخيها، هي واحدة من الشهادات للنساء الموجودات في الورشة، كما روتها بالتحديد. والهدف من هذه الورشات عموما يكمن في إعطاء فرصة للمشاركات للتعبير عن مشاكلهن بطريقة فنية وبحرية شديدة دون أيّ ضغط.

طبعا، نحن لا نقوم بفبركة أو تغيير هذه الشهادات لتطابق رؤية سياسية محددة. فعندما نبدأ عملنا لا نتبنى أي رؤية سياسية، وإنما نقوم بتطوير رؤية العمل مع المشاركين. ولكن ذلك لا يعني أننا محايدين سياسيا، وإنما كنا كل الوقت منحازين وبشدة إلى موقف سياسي، وهو مبدأ حرية التعبير والمساواة بين كل المشاركين على اختلافهم”.

كان هذا واحدا من المبادئ الأساسية التي دفعت السوريين إلى الخروج في ثورتهم، وهي المبادئ التي بدأت اليوم تطمر تحت تراكم طبقات متعددة، بينما لا نزال نتمسك بها على أساس أنها روح ثورتنا الأساسية.

16