نساء في بنغازي يشمرن على سواعدهن لكسب لقمة العيش

جمعية غير حكومية في بنغازي اختارت أن تدرب النساء الأرامل والفتيات على الخياطة والتطريز واختصاصات أخرى، بدل تقديم مساعدات مالية إليهن من حين إلى آخر.
الأربعاء 2018/10/03
البدايات صعبة

العمل أفضل من السؤال عن المساعدات، هذا خيار بعض النساء الليبيات في بنغازي اللاتي غيّر الصراع الداخلي نمط حياتهن، فبعد أن كنّ يعشن مع أطفالهن في حماية زوج يهتم بكل مصاريف البيت أصبحن في حاجة إلى العمل، بعد رحيل أزواجهن أثناء المعارك التي دارت رحاها في المدينة الواقعة بشرق ليبيا، كما أن بعض الفتيات أجبرتهن أيضا الظروف على تعلم مهنة تقيهن الفقر والبطالة بعد أن أصبحن دون معيل.

بنغازي (ليبيا)- شرد الصراع الطاحن في ليبيا عائلات وهجر عددا كبيرا من الليبيين والليبيات، لكن تبقى الأرامل وأطفالهن الفئات الأكثر تضررا من هذا الصراع الداخلي، فبعد أن توفي أزواجهن، أصبح الأطفال من مسؤوليات الأرامل حيث عليهن مجابهة الحياة وتأمين لقمة العيش لهم، خاصة من أولئك اللاتي تخلت عليهن عائلات أزواجهن، أو لم تسمح ظروف الأهل بالتكفل بهن وبأطفالهن.

بداية حياة جديدة ليست سهلة، خاصة وأن المجتمع ينظر إليهن بقسوة، بدل أن يساعدهن على تجاوز حاجتهن المادية ويخفف عليهن وطأة المعاناة، فالثقافة الاجتماعية القديمة تحط من قيمة المرأة وتنظر إليها نظرة دونية أقل من الرجل، ويمارس المجتمع التمييز ضدها رغم وجود القوانين التي تحميها وتحفظ لها حقوقها.

أماني التي رفضت ذكر اسمها كاملا، واحدة من آلاف الأرامل في بنغازي، اغتيل زوجها الضابط منذ ثلاث سنوات، تقول “كانت فاجعة كبيرة بعدما خسرت رفيقي وأب أطفالي الأربعة، لكنني لم أكن أتوقع ما ستؤول إليه أوضاع أسرتي بعد شهر من وفاته”.

تعيش أماني مع أطفالها منذ وفاة زوجها ظروفا صعبة، خاصة بعد أن تم إيقاف مرتبه. ورغم كونها موظفة في إحدى مؤسسات الدولة، إلا أن أزمة السيولة وتأخر صرف مرتبها لأشهر يضعانها باستمرار أمام تحدّي توفير احتياجات أطفالها.

تتحدث أماني بمرارة “أشعر بالحرج لأنني لم أعتد الحديث عن ظروفي لأحد، أنا وعائلتي على مشارف التسول، أطفالي يدرسون في مؤسسة خاصة وذلك لعدم وجود مدرسة عمومية، لأن أغلبية المدارس تحولت في ظل الحرب الدائرة بالمدينة إلى مراكز تأوي النازحين والمهجّرين، ورغم أن هذا يكلفني كثيرا لكن ليس مهما في مقابل تعليم أطفالي”.

وتضيف “أهلي بسطاء لا يمكنهم مساعدتي أكثر مما ساعدوني، أما عائلة زوجي فقد تخلّت عني بعد أن استولت على أملاك ابنها، حيث قام أفرادها بتزوير المستندات وأوراق الملكية، الآن لا يمكنني مقاضاتهم نظرا لغياب الدولة، إني أشعر بالغبن على أبنائي بعد أن تخلى عنهم أهلهم”.

 الخياطة حرفة وفن
 الخياطة حرفة وفن

حاولت أماني الاتصال بعدة جهات علّها تحصل على مساعدة تلبي ولو جزءا من حاجيات أطفالها، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل. ورغم ما تعانيه أماني، إلا أنها تعتبر محظوظة مقارنة بأخريات لا يعملن وليست لهن شهادات جامعية أو ديبلومات تمكنهن من فرصة عمل تقيهن شر الفقر.

تقول زهرة التي عاشت حياة هنيئة مع زوجها وأطفالها الثلاثة قبل أن تختطف أحدى القاذفات حياة زوجها عام 2013، “كان زوجي يوفر كل ما نحتاجه في البيت لي ولأطفالي، وكنت مهتمة بشؤون البيت وتربية الأطفال، لذلك لم أكن اخرج إلى الشارع إلا لزيارة الأهل والأقارب أو للتنزه في ما ندر، بعد وفاته أصبحت أواجه مسؤوليات جديدة، وصرت أحاول التأقلم مع وضعي الجديد، رغم أن ذلك ليس من الهين، خاصة وأن الرجال ينظرون إليّ كفريسة ليس لها من يحميها”.

حاولت زهرة البحث عن عمل لتغطية مصاريف البيت والأطفال، لكنها لم تفلح في ذلك لسنوات طويلة، لأنها لا تملك مؤهلات علمية لذلك، تضيف، “حتى أصحاب الشهادات الجامعية من النساء فشلن في العثور على وظيفة، فما بالك بواحدة مثلي لم تكمل تعليمها”.

زهرة وجدت ضالتها مؤخرا في دخول مركز للتدريب على الخياطة والتطريز وهي تعمل اليوم وتحصل على بعض المال الذي يساعدها مع ما تقتنيه من مساعدات من أهلها لتغطية المصاريف التي ازدادت مع موجة الغلاء التي تشهدها البلاد. ودخلت زهرة إلى جمعية أمل الأهلية، وقامت بدورة تدريبية في الخياطة، فأصبح لها دخل ثابت فتح لها نافذة جديدة على الحياة بفضل هذه الجمعية.

جمعية أمل هي مؤسسة غير حكومية تأسست في بنغازي بجهود متطوعين لمساعدة نساء ليبيا في إعدادهن بالعلم والتدريب لكي يقوى الأمل لدى النساء في ليبيا. وتستهدف جمعية أمل، النساء اللائي فقدن أزواجهن في أعمال العنف عندما كانت المدينة الساحلية الواقعة في شرق البلاد ساحة للمعارك بين عامي 2014 و2017 .

ويتم تعليم هؤلاء النساء حرفة الخياطة والتطريز وبيع منتجاتهن في الأسواق المحلية. ويوفر مشغل الجمعية قرابة 50 ماكينة للخياطة تم التبرع بها من قبل فاعلي الخير من داخل البلاد وخارجها من أجل المساهمة في التخفيف عن النسوة الأرامل.

للمكواة تقنياتها أيضا
للمكواة تقنياتها أيضا

يقول جمال المصراتي العضو المؤسس لجمعية أمل ببنغازي، “الفكرة بدأت من تعليم هؤلاء النسوة حرفة يرتزقن منها بدل الحصول على مساعدات متقطعة قد تجعل منهن اتكاليات، لذلك قررنا أن نجعل من هؤلاء النسوة منتجات”.

وأصبحت الجمعية تجهز المرأة وتعتمد على نفسها، وبعد تدريبها تحاول هذه المؤسسة الخيرية أن تساعدها في البحث عن عمل، وهناك سيدات وفتيات وأرامل لا يستطعن القدوم إلى المركز كل يوم، فيوفر لهن المركز بعد تخرجهن دخلا حتى يعتمدن على أنفسهن والعمل من البيت.

تقول السيدة رقية قليصة رئيسة الجمعية، “بدأت جمعيتنا عام 2012، كنا في الماضي نقوم بتوزيع الأموال على العائلات الفقيرة لمساعدتها، ولكن هذا لم يكن له فائدة كبيرة، لذلك فكرنا وقررنا أن نقوم بعمل هذه الجمعية للتدريب فقط”.

وتقول مرفت الباجوري وهي مشرفة على مشغل الخياطة، “ندرب الأرامل والمطلقات والمحتاجين ليستفيدوا ويعتمدن على أنفسهن خاصة في الظروف التي نعيش فيها، وأثبتت المتدربات حماسا ورغبة جعلتهن يتعلمن بسرعة، لم نكن نعلم حين بدأنا المشروع أننا سنحقق هذا النجاح”.

تقول جميلة رزق البرعصي إحدى المتدربات في مشغل جمعية أمل، “الخياطة كانت رغبتي منذ زمن، وأنا أحققها الآن بعد أن أتيحت لي الفرصة، وأنا اليوم أجيد الخياطة والتطريز، وأستطيع مواصلة عملي حتى من البيت، خاصة وأنه لدي ستة أطفال، فلا يكفيني الوقت لتربيتهن والشغل في نفس الوقت”. ولا يقتصر دور الجمعية على التدريب في الخياطة والتطريز، بل ركزت الجمعية على تدريب الفتيات والسيدات على تخصصات تحتاجها ليبيا، مثل الكمبيوتر وتعليم الإنكليزية وتصفيف الشعر والتمريض.

20