نساء في كركوك يبهجن الشارع بما يبدعن من الأكسسوارات

نساء عراقيات من مدينة كركوك يكسرن حاجز الخوف والتردد بكسب رزقهن من أعمال يدوية يقدمنها على أرصفة الشوارع.
السبت 2018/05/05
شظف العيش يعلم العراقيات الفنون

كركوك (العراق) - خطوة جميلة قامت بها بعض النسوة في كركوك، حين أقدمن على عرض الإكسسوارات التي أعددنها بأنفسهن على أحد الأرصفة لبيعها لينافسن أقرانهن من الرجال الذين يبيعون الإكسسوار الصيني.

تجلس فليحة بلياقة وأناقة على كرسيها البلاستيكي وأمامها بضاعة ملونة بألوان الأنوثة، لتعرض عليها ما تنتجه من إكسسوارات نسائية وحلي رجالية كالخواتم والمسبحات ذات الأشكال المميزة التي صنعتها يدويا بنفسها. وقد نحت الجهد والسهر ملامح متعبة لهذه السيدة الأربعينية مما أعطاها ربما عمرا أكبر من عمرها، فبرغم جمال أسلوبها في التعامل مع زبائنها وبهندامها المرتب والمنسق إلا أن قسوة الحياة بدت واضحة المعالم عليها.

فليحة من مدينة كركوك كسرت حاجز الخوف والتردد وانطلقت بأعمالها على أرصفة الشوارع لتبيع منتوجها إلى باعة آخرين يتوزعون في بعض مناطق المدينة وتديرها نساء تتلمذن وأخذن الصنعة منها ليكسبن رزقهن كما تفعل المرأة المكافحة.

أياد وردية وأفكار خلابة تلك التي تجسدت في البضائع التي تفترشها النسوة على طاولات صغيرة أمامهن بعدما تحدين المجتمع وقيوده، تقول فليحة “انطلقت بأعمالي إلى الأمام بعد معارضة الأهل لفكرة الوقوف على الأرصفة بحسب نظرة مجتمعنا القبيحة لعمل المرأة في ظروف يحكمها الشارع والمارة، إلا أن زوجي كان أول الداعمين لي”.

فليحة من مواليد مدينة بغداد انتقلت إلى كركوك في عام 2005 بعد اشتعال الحرب الطائفية في العراق وخصوصا في العاصمة، حاملة مسؤولية عائلتها لا سيما وان لديها ابنا مصابا بعموده الفقري مما يجعله غير قادر على الحركة.

هذه الزوجة والأم خلقت من شظف العيش ومرض ولدها فرصة للإبداع، بعد أن وجدت في نفسها قدرة على تنسيق الخرزات الملونة وترتيبها بدقة لتصوغها بشكل إكسسوارات جميلة مثل الأساور والأقراط وجميع أنواع الحلي والحياكة والخياطة، إلى جانب عمل صواني المهر والخطوبة التي تعد من عادات المجتمع في العراق.

وقد بدأت بعرض بضاعة على طاولة صغيرة جدا في شارع القدس وسط مدينة كركوك وتعرضت لشتى المضايقات التي تقلل من قيمة العمل الذي تعرضه، لكنها بقيت صامدة فهناك فئة من الناس الكادحين يدعمونها ورفيقاتها. وتقول “وصل عددنا إلى أكثر من 12 امرأة نقف وراء طاولاتنا ونروج لأعمالنا لكسب لقمة العيش، هؤلاء النسوة كلهن يملكن الشغف والحس الفني في تصميم الإكسسوار، وببعض الحث الإيجابي مني ومساعدتهن في العمل أصبحن جزءا مهما من الفريق”.

إحدى أمنيات هذه السيدة التي تبدو عنيدة، ومن الصعب أن تستسلم للقدر، هو أن تمتلك محلا صغيرا لتعرض فيه منتجاتها وتصل بها إلى جميع المحافظات العراقية حيث أنها تشارك ومجموعتها في اغلب النشاطات والمهرجانات التي تقام في بعض كليات جامعة كركوك أو في الندوات النسوية.

“أهم أهدافي هو دعم محدودات الدخل مثل حالتي أو من النساء الأرامل والمطلقات وإيجاد فرص عمل لهن حتى وإن كانت بسيطة، وذلك عن طريق إقامة دورات لهن لتعليمهن مختلف الحرف اليدوية إلى جانب فن الطهي فأنا طاهية ماهرة”، تقول بابتسامة كشفت عن معظم أسنانها، قبل أن يقاطعها زوجها الذي يقف على مقربة منها إذ يثني عليها بفخر “فليحة طاهية ممتازة جدا وأكلاتها لا تقدم حتى في أفخر المطاعم”.

المواد الأولية التي تصنع منها هذه الحلي تقوم بشرائها من مدينة بغداد؛ المدينة التي طالما عشقتها إلى جانب مدينتي أربيل والسليمانية فهناك من يدعمها من التجار ويبيعها بأسعار الجملة والتي تختلف بحسب جودة هذه المواد.

وعلى مقربة من فليحة، افترشت شابة أخرى بضاعتها على طاولة مجاورة يبدو من طريقة كلامها أنها متعلمة ولم ينل من لسانها السوق وأحاديثه، إذ كانت تتحدث بلياقة غير معهودة لدى الباعة الآخرين.

نور عادل ذات العشرين ربيعا تقف بكل ثقة واتزان مرتدية ملابس تبين قدرتها على اللعب بالألوان وهو ما تجسد على طاولتها المنمقة، متزينة بالبعض من أعمالها كسوار يحمل اسمها وقلادة أحجار ملونة بألوان الحياة. هذه الطالبة في كلية الإدارة والاقتصاد جامعة تكريت لم تجعل الخجل عائقا أمامها وبدأت بكسب لقمة عيشها عن طريق بيع منتجاتها من الحلي، وفي الوقت نفسه لم تهمل دراستها للمحاسبة.

وتقول نور إن “مهمة البيع في الشارع رغم صعوبتها كوننا نصادف كل طبقات المجتمع، إلا أنها باب رزق لي لأعيل نفسي وعائلتي حيث أن والدي رجل يعاني من بعض الأمراض المزمنة الأمر الذي جعله عاطلا عن العمل لكنه يقوم بمساعدتي في بعض الأحيان بحمل طاولتي وإنزالها إلى الشارع″، وتتابع ضاحكة “وفي بعض الأحيان يضطر إلى الوقوف بجانبي منعا من أي مضايقات خصوصا في الأماكن المزدحمة”. وتضيف “أحاول التوفيق بين دراستي وعملي إلى جانب مساعدة والدتي في أعمال المنزل، إذ أقوم بترتيب وقتي ولا أهدره بمتابعة مسلسل أو فيلم مثلا أو ما يلهيني عن أداء واجباتي”.

نور الطالبة في السنة الرابعة تأمل أن تتخرج من كليتها ولا تقف في طابور الطلبة المنتظرين انفراج أزمة التعيينات في العراق، فكلها أمل في أن تحصل على فرصة عمل في إحدى المؤسسات الحكومية لمساعدة أهلها في تحسين وضعهم المادي. وتضيف، وهي ترتب بضاعتها الأنيقة “تعلمت من والدتي صنع شتى أنواع الأكلات لذلك أدخلت هذه الحرفة في مجال عملي وبدأت بإنتاج مختلف الأطعمة الحلوة والمالحة التي أعدها في المنزل وبحسب طلب الزبون وبأسعار مناسبة”.

وترى نور أن مواقع التواصل الاجتماعي فتحت المجال أمام عملها فهي تعرض منتجاتها وتسوقها عن طريق الفيسبوك والإنستغرام،  وتقول “غالبا ما تصلنا الطلبات عبر الفيسبوك أو الإنستغرام الخاص بصفحتنا فنقوم بتلبية تلك الطلبات، وهذا الأمر حقق لنا الانتشار”.

وتجمع عدد من الزبائن أمام طاولتي الشابتين بين مشتر ومحب لرؤية أعمالهما الجميلة ومنهم من شد على أيديهن للمضي قدما بعملهما وترك كلام كل من يحاول إحباط عزيمتهما أو التقليل من قيمة أعمالهما، وهو ما زاد من إصرارهما على الاستمرار وتقديم الأفضل.

17