نساء لاغيرنيكا

الأربعاء 2017/05/03

تنظر ثلاث نسوة، قدّت أجسادهن من لهب ورماد، إلى السماء، في لوحة “لاغيرنيكا” لبيكاسو، تنبت الأولى في اليمين تماما أسفل كوة الضوء الصغيرة المربعة. وفي موازاتها، إلى أقصى اليسار، تحت رأس الثور، تنتصب الثانية حاضنة طفلها المستلقي في ضجعته الأبدية، تتضاءل ملامح الوجه الناظر للأعلى، في الصرخة الجهنمية المكتسحة لقسماتها.

بينما تتموقع المرأة الثالثة في الوسط، مشروخة الساق، إلى جوار الفرس الجريح، هي الوحيدة التي تكتمل كتلتها الجسدية في اللوحة. ثلاث نسوة يختصرن عالما لم يتبق فيه غير النساء والأطفال بعد أن طحنت رحى الحرب اليافعين والكهول.

لهذا لم أستغرب لما وقفت للمرة الأولى أمام اللوحة الأسطورية، إذ وجدت بجواري جمهورا نسائيا في أغلبه، كانت القاعة 206 من الرواق السادس في متحف الملكة صوفيا للفن المعاصر بمدريد مخصصة للوحة وحدها، مع صور لتخطيطاتها الأولى، التقطت في مرسم بيكاسو الباريسي، الذي كان مخترقا بالنساء من ذوات الجمال الفردوسي، أرخت الفوتوغرافية الشهيرة لـي ميلر وجوه بعضهن، فبرزن كتحف ضمن معرض يتوسطه زير النساء التاريخي.

نبتت في ذهني مرة أخرى رمزيات النسوة الثلاث وأنا أقف على ثلاثة مشاهد سيرية لثلاث كاتبات عربيات، قادمات من شظايا الحرب وإعصار الثورة، صدرت نصوصهن السردية ما بين سنتي 2013 و2017، أي ما بعد انتكاسة الانتفاضات العربية، وغرقها في غيرنيكات يومية. المشهد الأول في نص لرضوى عاشور: “أثقل من رضوى”، حيث تنتقل الكاتبة من وصف مشهد الأحداث الدامية بشارع محمد محمود بالقاهرة إلى وصف لوحة لاغيرنيكا، في أزيد من ست صفحات، حيث تستعيد مشاهد الطلقات، والغاز المسيل للدموع، وقوات الأمن المركزي، والجرافات والحجارة، من خلال أصداء تمثلها للبطش العاتي بأجساد نسوة لاغيرنيكا.

والمشهد الثاني في سيرة “زمن المتاهة” ليمنى العيد، يونع من تداعيات صور الحرب الأهلية في بيروت، ممتزجا بأطياف صور متداخلة في الذاكرة عن نساء مختطفات، يتيمات، متروكات للفراغ، تسلم القارئ بسلاسة إلى حديث عن لاغيرنيكا وتفاصيلها المتوالدة في كتب الفن والأدب والتاريخ، بينما يطل المشهد الثالث من أفق المواجهة الصاعقة بين الذاكرة وحقيقتها الرمادية، في النص الرحلي للطفية الدليمي: “مدني وأهوائي”، حيث تنوب تفاصيل النسوة الثلاث الناظرات إلى أعلى في لوحة لاغيرنيكا عن الصمت القابض على وجدان القادمة من رماد الحرب في مدن العراق الجريح.

والشيء الأكيد أن اللوحات الخالدة تعثر دوما على موضوعاتها القديمة ولحظات تكوينها وكتل الأحاسيس التي صاحبت ولادتها، مهما تغير الزمن، وتبدلت السياقات، فتوقظ في كل مرة أحاسيس التطابق مع وضعيات لم تدر بخلد الرسام يوما، فتتجلى كذخيرة كان من اللازم وجودها كعلامة هادية.

كاتب مغربي

15