نساء مصر يقدن ثورة إلكترونية ضد إهانات "وزير فيسبوك"

وزير التربية والتعليم المصري في ورطة: إصلاح التعليم يبدأ بمهاجمة الأمهات.
الجمعة 2018/11/23
قوة لا يستهان بها

وزير التعليم المصري يصف الأمهات بالألتراس الخطير اللاتي يجلسن على فيسبوك أكثر مما يربين أبناءهن، الأمر وضعه في ورطة مع ناشطات مواقع التواصل الاجتماعي من الأمهات اللاتي أصبحن قوة إلكترونية لا يُستهان بها.

القاهرة - أحدث هجوم وزير التربية والتعليم المصري، طارق شوقي، على أمهات مصر، بسبب كثرة استخدامهن مواقع التواصل الاجتماعي، والانشغال عن تربية أبنائهن، جدلا واسعا، وصل حد التلاسن بين الطرفين، في معركة قاربت أن تأخذ منحى سياسيا، بعدما طالبت الأمهات الحكومة، بإجبار الوزير على تقديم اعتذار رسمي.

وقال شوقي، خلال ندوة حوارية الثلاثاء، إن “أمهات مصر يستخدمن مواقع التواصل أكثر ما يعملن على تربية أبنائهن، لدرجة أنهن لم يعد لديهن الوقت للتربية، وهذه كارثة، ولا يمكن القبول بأن يصل بهم الحال للتدخل في السياسة التعليمية، وإجبارنا على اتخاذ قرارات وفق أهوائهن.. هذا لن يحدث مجددا”.

وأثارت تصريحات وزير التربية استياء الأمهات، وقمن بتدشين حملة إلكترونية ضده، وطالبنه بالاعتذار، لكنه خرج بحديث تلفزيوني، الأربعاء، يعزز ما قاله، واستخدم ضدهن توصيفات مثيرة، وقال “يشبهن الألتراس وبعضهن خطر على الأمن القومي ويستهدفن الوقوف بوجه الدولة وتقويضها”.

وكان يقصد شوقي، من كلامه، غروب (مجموعة) “ائتلاف أمهات مصر”، الذي تم تدشينه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قبل ثلاث سنوات، ويضم أكثر من 150 ألف سيدة، اعتدن إبداء آرائهن في السياسة التعليمية، وتقييم أداء الوزارة وقراراتها ومسؤوليها.

وقام صحافي يعمل بجريدة مستقلة بنقل كلام الوزير عن أمهات مصر، حيث قال ذلك خلال ندوة حوارية بحضور شخصيات تربوية وأكاديميين لمناقشة مشروع تطوير التعليم، وكان شوقي يتحدث بأريحية، ولا يعرف أن هناك صحافيا، وتطرق إلى التحديات الصعبة التي يواجهها، وقال إن على رأسها الأمهات، وكتب الصحافي الكلام بالنص.

وبلغ احتقان الوزير مما نشر على لسانه، أنه تواصل مع رئيس تحرير الصحيفة، وطلب منه تغيير الصحافي المسؤول عن تغطية ملف التربية والتعليم الذي حضر للندوة، واستجاب الأخير، وهذا ما يعكس غياب استقلالية الصحافة، ويبرهن على أن ما نشر بخصوص الأمهات أربك حسابات الوزارة.

وردت أمهات باستنكار حديث الوزير، وقلن في بيان صحافي، الأربعاء، إن حديثه يمثل إهانة وإساءة واضحة وعليه الاعتذار الفوري، لأنهن يعانين في تربية وتعليم أبنائهن، ويتواجدن على فيسبوك لمتابعة قرارات الوزارة وتحميل مذكرات ومراجعات أولادهن، وعليه (أي الوزير) أن يقر بأنهن من الشركاء الأساسيين في الإصلاح.

وخرج شوقي بتصريحات إعلامية رفض خلالها تقديم اعتذار، وقال إنه “لن يدير الوزارة من خلال فئة بعينها، وسوف يقاطع كل غروبات الأمهات”، واصفا ما يحدث في مصر على صفحات التواصل من هؤلاء بأنه “كارثة، وشيء لا يتخيله عقل، ولا يحدث في أي مكان في العالم”.

وضاعف ورطة الوزير، وربما دخوله معركة خاسرة مقدّما، أن أكثر هؤلاء الأمهات يتمتعن بعقليات تنويرية، ويمتلكن قاعدة علاقات واسعة داخل دوائر صناعة القرار في مصر، سواء مجلس النواب أو الحكومة كما أنهن على تواصل مباشر مع عدد من الصحف والفضائيات، ويتم استضافتهن واستطلاع آرائهن دائما في ما يتعلق بالمنظومة التعليمية، ما جعل هذا التكتل النسائي مصدرا ثريا للمعلومات بالنسبة للصحف والمواقع الإخبارية والبرامج التلفزيونية.

مجموعة "ائتلاف أمهات مصر"، على موقع فيسبوك تضم أكثر من 150 ألف سيدة

وسعى شوقي منذ تكليفه بمهمة الوزارة، نحو استقطابهن لدعمه، وجعلهن ظهيرا له، لكنه أخفق في المهمة، رغم أنه اعتاد التواصل المباشر معهن، والرد على استفساراتهن بالتفاعل طوال الوقت مع منشوراتهن والرد عليها، ودعوتهن إلى لقائه والتشاور معهن في مستقبل تطوير التعليم، بعدما رأى أنهن ورقة ضغط قوية على وزارته.

حتى أن بعض الصحافيين المعنيين بتغطية ملف التربية والتعليم، كانوا يبدون امتعاضهم من اهتمام شوقي بالتواصل مع الأمهات، أكثر من الرد على استفسارات الإعلام، وبرر أكثر من مسؤول بالوزارة ذلك، بأنهن (أي الأمهات) أصبحن يمثّلن قوة لا يمكن الاستهانة بها، ويجب ترويضهن وإبداء الاهتمام بكلامهن.

ويوصف طارق شوقي بأنه “الوزير الفيسبوكي في مصر”، حيث يعتبره مصدرا أساسيا للإثراء فكري والثقافي، ومن الوزراء القلائل الذين يتفاعلون مع الجمهور من خلاله، لكنه بدأ يتحول إلى أحد أكثر أعداء مواقع التواصل، من كثرة ما يشاهده من نقد وهجوم ضد نظام التعليم الجديد الذي لا يلقى إجماعا جماهيريا.

أزمة وزير التعليم المصري، أنه يريد التعامل مع الرأي العام، بلغة خطاب شبيهة لتلك التي يتبعها الرئيس عبدالفتاح السيسي، من حيث المصارحة المفرطة والارتجال دون حساب لكلماته، ويرى أن ذلك أسهل الطرق لاستمالة الناس لدعمه وتأييده، بأن يكون الكلام الموجه إليهم أقرب إلى اللهجة الشعبية، وهو ما أوقعه في أزمات عديدة.

لكن موقف وزير التعليم جاء معاكسا لنظرة السلطة إلى المرأة، وهو ما وضعه في ورطة سياسية، لأنه وصف بعض أمهات مصر بأنهن “خطر على الدولة”، ما دفع أكثر السيدات لتصعيد نبرة الهجوم عليه، بغض النظر عن كونهن شريكات في مجموعات تعليمية أو موظفات أو حتى ربات منازل.

وكتبت سعاد محمود على حسابها الشخصي “وزير التابلت يهين سيدات مصر اللاتي استحملن التطوير الوهمي للتعليم الذي سيضيع بسببه أجيال كاملة، هو يريد تشويه صورتنا حتى لا تظهر أخطاؤه”.

وردت إسراء نبيل، على كلام الوزير بقولها “كل يوم يعلق شماعة فشل النظام الجديد على مجموعة، مرة المعلم، ومرة الإعلام، ومرة أولياء الأمور، وأخيرا الأمهات.. هذا أكبر دليل على غياب الرؤية”.

ويحسب للأمهات الناشطات على مواقع التواصل، أنهن استطعن تغيير سياسات تعليمية خاطئة، ونجحن في الضغط لتعديل المناهج وتطوير الامتحانات، بعدما أن أصبحت النساء قوة إلكترونية لا يُستهان بها، ويلجأن إلى طرق مختلفة للاستجابة لهن، منها تدشين حملة إلكترونية على الحساب الشخصي للسيسي وإمطارها بالرسائل، والتلويح بالتظاهر أمام قصر الاتحادية الرئاسي، وإرسال مكاتبات لمجلس الوزراء.

وقالت عبير أحمد مؤسسة ائتلاف “أمهات مصر”، إن وزير التعليم يحاول شيطنة الأمهات أمام الرأي العام، والإيحاء بأنهن سبب أزمة التعليم والوقوف ضده تطويره، ولا يدرك أن تدخلهن في السياسات التعليمية، بالرأي والنصيحة، مطلوب تربويا لتخفيف الضغوط النفسية عن الأبناء، لأنهم سيشعرون بالأمان عندما يشاهدون آباءهم شركاء في التخطيط لمستقبلهم.

وأضافت لـ”العرب”، أن اتهام الأمهات بأنهن خطر على الدولة، وانشغلاهن بمواقع التواصل عن تربية أبنائهن، محاولة لتشويه الصورة أمام السلطة والرأي العام والأسرة ذاتها، ويحمل الأمر تحريضا مباشرا يتنافى مع كلام الوزير سابقا بضرورة أن يكون أولياء الأمور شركاء في تطوير التعليم، ويبدو أن هناك محاولة لتعويض الإخفاق وإبعاد الأنظار عنه وتوجيه الاتهامات إلى العنصر النسائي.

19