نساء مهمشات يرفضن الصعود من القاع

الكاتبة سناء عبدالعزيز تُجسّد في روايتها الأولى "فيدباك" سطوة الواقع ووحشيته التي تدفع البعض إلى اللامبالاة، والسير عكس التيار.
السبت 2018/10/13
الاستسلام للواقع كأنه قدر (لوحة للفنانة ريما سلمون)

تُجسّد الكاتبة سناء عبدالعزيز، الحاصلة على جائزة الطيب صالح العالمية لعام 2017، في روايتها الأولى “فيدباك” سطوة الواقع ووحشيته التي تدفع البعض إلى اللامبالاة، والسير عكس التيار، عبر حكاية أسرة تنتمي إلى الهامش الاجتماعيّ. تتألّف من أبوين مَعدمين، وستّ بنات، يختار لهن الأب أسماء من قاموسه الخاصّ: بَنْأَة، هُل، قُهر، أحمر، كربوناتو، دقدق، وولد خائب لم يحظَ بشيءٍ.

 

لا شك أنّ الرّواية الجديدة ظهرت تجلياتها وعوالمها المائزة في المدونة السّردية العربية في الفترة الأخيرة، سواء على مستوى طرائق الكتابة التي تتوسّل طرائق جديدة تنحى إلى التجريب على مستوى الشكل، أو على مستوى الموضوعات المطروقة، حيث صارت الرواية تروي كلّ ما يُقابلها في الطرقات وَفْقًا لمقولة الجاحظ التراثيّة عن المعاني. كما صار القارئ مُشاركًا ومتابعًا لعملية الخلق التي يقوم بها الرّاوي وهو ينسج نصّه، مُتتبعًا كلّ خُطوةٍ حتى اكتمال المشهد.

تقع الأسرة تحت وطـأة ظروف قاهرة إلى حدّ الموت، وعوالم شطرت شخصية الرّاوية الأساسيّة إلى شخصيتيْن “س” و”بَنْأَة”، فتتوزّع ذاتها بين عالميْن؛ عالم الواقع الذي يَشدُّها بفقره المدقع، والعالم الافتراضي الذي تعيش فيه، ليس هربًا من واقعها المأزوم أو محيطها المُحْبِط فقط، وإنما استجابة لضغوط الواقع المعيش حيث أن فري لانس “تُترجم أبحاثًا وخطابات وأوراق عمل لعملاء مِن شتى دول العالم”. الغريب أنها تنحاز إلى العالم الافتراضيّ على الرُّغم من أخطاره، وهو ما جعل حياتها تقع رهن الاختيار، وانحصرت قراراتها في فعل المفاضلة. الميزة الوحيدة في هذا العالم أنها صارتْ لديها القدرة على التخلُّص من الشّخص الذي لا ترغب فيه، وهي الخاصية التي لا تتحقّق على مستوى واقعها.

سرد القاع

تتصل رواية “فيدباك”، الصادرة عن دار بتانة، بروايات القاع الاجتماعيّ، التي ترصد المهمّشين الذين يعيشون على حافة الحياة، سواء عبر شخصيات الرّواية المأزومين والمُنْشدِّين إلى قوة جذب المكان (لا توجد شخصية انفصلت عن المكان)، أو عبر وصف المكان بملامحه البائسة، فلا نعرف سوى أنه نَمَا على حافة وهامش المدينة. فتروي الكاتبة عن مأساة أسرة نازحة من الرّيف إلى المدينة، وتخلق لها عالمًا يتصدر مشهده نساؤه دون رجاله، الغريب أن النساء يتّسمن بالجَلَدِ والصّبر، في مُعاركة الحياة أو القدر، لكن لا من أجل التحايل للخروج مِن بؤس واقعهن أو شرنقة الحارة الضيقة التي تطبق على أرواحهن، وإنما استجابة لسطوة المكان، وكأنه “قدر الغرف المقبضة” لو استعرنا جملة عبدالحكيم قاسم، فتستسلم النّساء للكدّ والكَدر، وترفض البنات أزواجًا لديهم القدرة على انتشالهن من هذه المسغَبة، في تحدٍّ بالانصياع لهذا القدر وتلك الظروف. فنرى الشخصيات وهي تُعارك من أجل الحياة، ومع بعضها البعض ومع الجيران بالألفاظ النابية، وعندما يأتي التمرد على هذا الواقع، بالحلم والبحث عن زوج ثري لينتشلها من بؤس الواقع كما كانت تحلم “قُهر” الشقيقة الكبرى، تبوء المحاولة بالفشل، وكأن الكلَّ منشدٌ إلى قوة جذب المركز/ المكان القاهِر. تهيمن على السّرد نبرة السّخرية بالتهكّم على هذا الواقع عبر الوصف الذي يُبرز قُبح المكان كما في الوحدة المعنونة “في بيت أبي”؛ فالشّقة لا تتجاوز مساحتها الثلاثين مترًا، كما أنّ بابها “كباب الدكان لا يغلق أبدًا” علاوة على “الرائحة النّتنة التي تطارد القادم، والزواحف التي تقفز وتمزق الوجه”، وقد تأتي السخرية من هذا الواقع عبر اللغة نفسها التي تستخدمها الراوية في السرد. فثمة جمل تُمرّرها تكون بمثابة تعليق مِن قِبل الرّاوي الضمني الذي يتوازى مع المؤلف الحقيقي.

وتستحضر رواية “فيدباك” العديد من تقنيات الرواية الجديدة، كالتشظي حيث الحكاية لا يمكن تلخيصها وفق إطار كلاسيكي؛ بداية ثم وسط ونهاية، وإنما هي موزّعة على الشخصيات التي تروي في الكثير من الأحيان بنفسها، تروي عن ذاتها، وتروي عن الآخرين من منظور مُختلف عن رؤية الأنا لذاتها، وكأنها تضع الذّوات المسرود عنها موضع تقييم. فالتلاعب بالضمائر يأتي كجزء من تقنيات السّرد، حيث تستحضر الساردة شخوصها، وتحولهم إلى مروي عليهم كما في خطابها لـ”واو” فتجعل منه مرويًّا له، تعيد له حكايات يَعْلَمُها بحكم تواجده فيها كخطيب وزوج وحبيب. بل تتخيّل آخرين يسألونها، وتتوجه إليهم بالجواب “أمال أنا أنادي واحد زي جوزي ازّاي؟ اسمه…؟ تفتكري أقوله إيه؟” ومن هذه التقنيات الذاتيّة نستخلص تطابقا بين الهُويات الثلاث؛ الكاتبة والراوية والشخصية.

الكاتبة تستحضر تقنيات الرواية الجديدة كالتشظي حيث الحكاية لم تكن وفق إطار كلاسيكي؛ بداية ثم وسط ونهاية
الكاتبة تستحضر تقنيات الرواية الجديدة كالتشظي حيث الحكاية لم تكن وفق إطار كلاسيكي؛ بداية ثم وسط ونهاية

الأنا والآخر

تُصاب “س” من جرّاء الدناءات الصغيرة من الواقعيْن؛ الافتراضي وحكايات النصب التي تتعرض لها، أو المخاطر من الشخصيات الوهميّة، ومآسي الواقع نفسه الذي أُجبرت على جزء منه بحكم انتمائها إلى هذه العائلة، أو باختيارها الزواج من “و” على قلة حيلته، ورفضها لكل مَن تقدّموا لها من أطباء ومهندسين ومعلمين. فتنفصل عن هذين الواقعيْن وتحصر ذاتها في ثلاث دوائر؛ ابنتها نور بحكم غريزة الأمومة، وزوجها شقها الآخر، الصاحب والأهل
“رفيق الطريق المعبد بالعقبات والخيبات الصغيرة”، ثمّ أمها وتعلّقها بها يأتي وفق أمر سماوي “لم يكن
بوسعها اختراقه”. فالآخر ظل همّها “الأوحد، والأكيد والحتمي والآني؛ ومن الآخر لا حياة بدون الآخر مهما كلفني الأمر من هزائم ومرارات”.

هكذا تضع الأنا الآخر في موضع مساءلة وتقييم. فهي تُدرك أنها لم تكن تخلو من النقائص، وبالمثل الآخر يمتلك نقائص حتى لو نجح في “إخفائها بمنتهى الحيطة”. هذه الوضعية جعلتها تتجاوز موضع التقييم في علاقاتها بالآخرين إلى موضع المحاكمة، على نحو ما فعلتْ وهي تُقارن بين علاقتها بابنتها نور، وعلاقة أمها بهما؟ فتتساءل وكأنها تحاكمها “ألم تجرب مثلي هذا الوجع الذي أحسّه في علاقتي بابنتي؟”.

لا تتوقف في تقييمها للآخر عند حدّ الآخر فقط، بل تضع ذاتها موضع التقييم: فتسخر من ذاتها التي كانت دومًا تلجأ إلى حلول السّماء، والتي أنصفتها كثيرًا أمام جعجعة الآخرين، إلّا أنّها في لحظات معينة تتساءل “أكان جبنًا، انهزامًا متوجًا بالإيمان، وسيلة تتحايلين بها على خوفك؟ أم كان زهدًا، حتى في الانتصار؟”، وبالمثل يخضع الزوج لهذا التقييم والاختبار، فتقول مقارنة بذاتها “لم يعاملنا القدر أنا وزوجي بنفس الآلية، فبينما تنغلق أمامه كل الأبواب، كانت تنفتح لي على مصراعيها، وبينما كانت عروض العمل تنهال عليّ من كل جانب، ظلّ هو طيلة خمسة عشر عامًا؛ مدّة زواجنا، يلهث خلف أيّة فرصة دون جدوى ويتخذ أدوارًا صغيرة، أبدًا لم تكن له!”.

ثمّة انحياز واضح للمكان المهمّش على الرغم من القهر الواقع على الشخصيات منه، فلا نجد نفورًا منه، بل التصاقًا به، كما تظهر تأثيراته المهمّة على نحو حضور المرأة الطاغي بشخصيتها وتأثيرها، فهي تحظى بالبطولة المطلقة على حساب الذكور الذين جاءوا تابعين لها، أو من خلال الأدوار التي أظهرت المرأة عاملة وكادحة، كالأم التي تعمل خياطة، والبنات اللاتي عملن وعلَّمن وزوّجن أنفسهن، في المقابل يأتي الذكور كعاجزين؛ فعليًّا أو معنويًّا، مثل الأب، وزوج قُهر، و”و” الذي كان قليل الحيلة، والأخ الخايب، أو عبر صورة مُنفّرة كما الحال في شخصية أبي عبادة والأب في تحرشهما بكل ما تطوله أيديهما.

15