نساء يحوّلن الحجر المنزلي إلى ورشة فنية

أصبحت القطع المتحولة بلمسة فنية وجمالية تتصدر مداخل البيوت أو تتزين بها جدران وأركان قاتمة، بما يضفي جواً عاماً مبهجا ومريحاً للنفس.
الاثنين 2020/04/27
الحجر المنزلي فرصة لتجديد الديكور

فاجأتني دعوة من جروب مدرسة ابني على الواتساب بعمل مجموعة نسائية مغلقة نتبادل فيها تجاربنا في أيام الحجر المنزلي، تجربة لا تشبه كتابة اليوميات أو كيف نقضي اليوم، ولكن ما أنجزناه خلال تلك الفترة.

الفكرة بديعة إذ نتشارك إعداد أطباق شرقية وغربية نسيناها وسط كثرة المشاغل والأعمال، ثم طورناها بثقافات جديدة من مطابخ العالم.

الحجر المنزلي في ذاته ليس إجازة بالمعنى الحرفي، نحن نعمل من البيت وبالأخص من يمكنهن العمل عن بعد، وأنا منهن، فإجازتي هي مجرد راحة من عناء المواصلات وزحام الطريق، يوفر لي الحجر أربع ساعات يومياً ساعتين صباحاً ومثلهما في آخر النهار، فضلا عن الجهد البدني في الخروج ذاته، فخلق فائض وقت يمكنني استثماره والاستفادة منه لصالح الأسرة.

أقبلت على تنفيذ الفكرة ولكن بتوسع وفي اتجاه آخر، فيمكننا إلى جانب إعداد الأطباق الشهية وتبادل الخبرات بالمطبخ، وإعادة أطباق جديدة للواجهة، تبادل خبرات أخرى في فنون ومواهب تتقنها إحدانا، فقد عدت إلى الرسم على القماش بالتطريز، وإعادة تدوير الملابس وخاصة الجينز.

الحياكة ذاتها ممتعة، عملية تخليق جديدة لقطع رائعة، تبدو جديدة كليا، تصميم النساء لقطع الملابس التي يرتدينها لا تمثل مجرد نسيج وألوان، بل هي جزء من الذوق الشخصي والحالة المزاجية، قطع لا تشبه غيرها.

ساعدني تبادل المعرفة بفن التطريز والحياكة وتطوره لدى كثيرات منهن على تطوير أفكاري لدرجة أننا أعدنا الروح إلى قطع أثاث قديمة ومستهلكة كنا في طريقنا للتخلص منها، وإلقائها في سلال المهملات، لكنها تحولت إلى قطع فنية شديدة الروعة والإبداع، أو رسم ما يشبه لوحات جدارية على قطع ملابس أو على حقائب قديمة.

أصبحت القطع المتحولة بلمسة فنية وجمالية تتصدر مداخل البيوت أو تتزين بها جدران وأركان قاتمة، بما يضفي جواً عاماً مبهجا ومريحاً للنفس، ليس فقط لجمال شكلها ولكن لأن معظمها يحمل  ذكريات شديدة الخصوصية.

أصبح شعار “خليك بالبيت” أفضل ما يمكن الاستفادة به في فترات العزل المجتمعي، وأصبح التواصل الرقمي أكثر فائدة، إذ يستثمر كامل الوقت بشكل أنجع كثيرا، فالوقت المقتطع في المجاملات والمهاترات والتحية بين زملاء العمل والمكان الواحد لم يعد كذلك، حتى الدعابات تكاد تكون خاطفة لا تستقطع من وقتنا أكثر من دقائق معدودة.

باتت لقاءتنا في أمسيات متتالية فسحة جميلة نستمتع فيها بإبداعاتنا النسوية، حتى أن بعضهن تعلمن مهارات لم يكنّ يجدنها من قبل، ومن تملك هواية أو موهبة لا تخفي أسرارها بل تشاركها الجميع لتعميم الفائدة.

رويداً رويداً اتسعت الدائرة التي بدأت بست نساء فقط مقربات أربع منهن مدرسات بالمدرسة، يجمعنا أن أبناءنا في نفس السنة الدراسية إلى جانب صداقتنا الطويلة، والطريف والمبهج في الأمر أن كل واحدة منا عندما تقص فكرة الجروب على امرأة قريبة أو صديقة تطلب الانضمام، فاتسعت بذلك الدائرة، وضمت نساء مبدعات في فنون كثيرة بعيداً عن عملهن الرسمي النظامي.

صديقة تعمل مديرة في أحد أفرع البنوك الحكومية، لكنها تهوى زخرفة الزجاج، كانت قد تاهت منها تلك الموهبة وسط كومة النقود والأرقام، وتحويل العملات، وانشغالها بفض مشاجرات العملاء وزخم أوقات العمل. ومحامية كانت تهوى فن الباتيك (وهو فن آسيوي لصبغ الأقمشة ونقل الرسومات عليها باستخدام الشمع) والأورغامي (فن ياباني يعني تشكيل تصميمات لطيور وحيوانات وأشكال مختلفة باستخدام طي الورق) وبالطبع طمست  معالم هوايتها خلف مواد القانون “الجنائي والمدني والعقوبات” وضاعت وسط ضيق الوقت الذي نعاني منه جميعا، وبصفة خاصة النساء العاملات في مهن تحتاج لبحث ودراسة وإطلاع وساعات كثيرة تفوق ساعات العمل الرسمية العادية.

بدأ الأمر عفويا ولم يكن مخططا له من قبل، فإحدى المدرسات وهي صديقة قررت مشاركة صديقاتها إبداعاتها في المطبخ، وبدأت بتصوير منجزاتها من أطباق الطعام المختلفة، وتعلمت في فترة الحجر أطباقا جديدة من موائد عالمية شرقية وغربية، وأتقنت فنون بعض وجبات المطاعم الشهيرة.

ولكن الشغف متباين وإن كان مرده الفن والإبداع النسوي المغاير، إلا أنه خلق جوا من البهجة والمرح في ما بيننا، فعدنا إلى مواهب وابتكارات خفت ألقها بسبب الانشغال الدائم، فليت كل النساء يحولن فترة حجرهن المنزلي لقيمة مضافة يتعلمن خلالها فنون ومهارات جديدة أو إحياء مواهب قديمة عوضا عن الشكوى من الملل.

21