نساء يخترقن أسوار المعرفة الدينية

أسباب وعوامل عديدة، جعلت اقتحام المرأة لعلوم الفقه والإفتاء، يبدو محتشما. لكنّ الحقيقة والواقع التاريخي يثبتان أنّ المرأة قد خاضت هذا المجال بإتقان وتفوّق، ودونما إحراج في عهد النبي محمد، وفي هذا الصدد قدمت مجموعة من العالمات المسلمات في التاريخ الحديث إسهامات مهمة ومتميزة.
الجمعة 2016/11/04
من حق المرأة ومن واجبها، بل من مسؤولياتها أن تخوض العلوم الشرعية

دبي- كانت نظيرة زين الدين، الكاتبة والسياسية اللبنانية (1908 ـ 1976) وصاحبة كتابي “السفور والحجاب” و“الفتاة والشيوخ” تقول متحدثة عن المرأة “إن لها الحق الصُراح أن تشترك في الاجتهاد الشرعي تفسيراً وتأويلاً، بل إنها أولى من الرجل بتفسير الآيات القائم فيها واجبها وحقها؛ لأن صاحب الحق والواجب أهدى إليها من غيره سبيلا”. ويُعزى الفضل إلى نظيرة زين الدين، وفاطمة المرنيسي، وأمينة ودود، وأسماء برلاس، بالخصوص في إبراز التحيزات الذكورية للمفسرين، وذلك من خلال دراستهن لعدد من الآيات والأحاديث المتعلقة بأحكام النساء.

وتنطلق هؤلاء الدارسات من فكرة مفادها أن المسلم والمسلمة مكلفان بإعمال العقل في فهم الدين وتفسيره، ومن ثمة فإنه ليس على المرأة أن تتبع ما يفسره الرجل، بل يتعين عليها أن تُحصّل المعرفة مباشرة من القرآن دون الاتكال على وسيط، وأن تشرع في تأسيس خطاب ديني تتجاوز فيه التبعية والقصور، وتعمل من خلاله على توعية المرأة بهويتها، وحقوقها، ودورها في المجتمع. وفق هذا الطرح دعت الدارسات إلى تجاوز التقسيم الذي يربط الذكورة بالعقل، ويجعل الأنوثة حبيسة أدوار محدودة.

وجاء في بحث حمل عنوان “اختراق النساء أسوار المعرفة الدينية”، لآمال قرامي، أنّ امتلاك عدد من النساء أدوات بحث جديدة، وانفتاحهن على علوم العصر، وتأثر بعضهن بالدراسات التي أنجزت بشأن التوراة والأناجيل أو اللاهوت المسيحي أو اليهودي، ترتبت عليه إعادة تأويل مجموعة من الآيات القرآنية. ونظرت الباحثات في مفاهيم المساواة، والعدل، وضرب النساء، وأحكام الزواج، والنفقة، والميراث، والشهادة، وغيرها، ودعت هؤلاء إلى عدم الأخذ بالأحاديث التي تهين المرأة؛ لأنها موضوعة وتتعارض مع مقاصد الآيات القرآنية.

وخلصت دراسة قرامي، التي تضمنها كتاب ‘النسوية الإسلامية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، إلى أنّ الباحثات في المجال الديني، تتفاوت كفاءتهن وجرأتهن على كسر جدار الصمت وإثارة قضايا تعد من “المسكوت عنه” في الفكر الإسلامي، فأمينة ودود التي عاشت في أميركا واستمتعت بحرية التعبير، وحرية التفكير، طرحت قضية حق المرأة في الإمامة لا في الأسرة والبيت بل في المسجد، مستشهدة في ذلك بأم ورقة التي سمح لها الرسول بأن تؤم أهل بيتها بما فيهم العبيد لحفظها القرآن وغزارة علمها.

قلة المفتيات تعود إلى عزوف النساء عن التخصص في هذا المجال مراعاة للعرف، ولانعدام الوعي بما هو متاح شرعا

وقد وضحت أمينة ودود أن لا شيء يحول دون تولي النساء مناصب دينية، وكل ما في الأمر هو أن العلماء قدموا قراءة تتماشى مع مصالحهم وتحافظ على مكانتهم العلمية والاجتماعية. وأشارت كتب السيرة النبوية إلى أن الرسول سمح للمرأة بممارسة الفتوى، وخصوصاً في أمور النساء، ووضحت كتب الفقه أن الذكورة لا تمثل شرطاً من شروط الإفتاء، بيد أن الواقع أثبت أن المرأة منعت من تولي منصب الإفتاء، فالمؤسسة الدينية الرسمية مؤسسة ذكورية لا مكان فيها للعالمات.

إلا أن هذا العدد من النساء يعتبر محدوداً من وجهة نظر العالمات، خاصة إذا انتبهنا إلى كثرة الفضائيات الدينية والمواقع الإلكترونية من جهة، ومدى تهافت الجمهور على برامج الإفتاء، من جهة أخرى. وترجع قلة المفتيات، حسب سعاد صالح، إلى عزوف النساء عن التخصص في هذا المجال مراعاة للعرف، ولانعدام الوعي بما هو متاح شرعاً ولغياب الطموح، فضلاً عن وجود رهبة لدى النساء من الإعلام وخوفهن من مقاومة المجتمع لهن.

ويمكن تبين صنفين من النساء في الإعلام الديني: داعيات مصريات، وكويتيات، وسوريات… يملن إلى الظهور في صورة الأم الحاضنة التي ترشد أبناءها، وتحنو عليهم. ولعل الداعية عبلة كامل خير ممثل لهذا الأنموذج الممارس للسلطة من خلال الاضطلاع بدور الأم.

لقد حمل دخول النساء عالم الإعلام الديني معه مجموعة من التحديات، ودفعهن إلى مواجهة ردود فعل مختلفة تراوحت بين الاستنقاص والإعجاب؛ فمن الدارسين من اعتبر أن برامج “فتاوى النساء” اختزلت دور أستاذات الشريعة وغيرهن من المختصات في دور الداعيات، فجعلتهن لا يتدخلن إلا في نوعية محددة من القضايا التي تخص النساء. لقد آمنت العالمات بضرورة مناصرة المرأة ورفع الظلم عنها، إلا أنهن أكدن على أن مرجعيتهن تختلف عن مرجعية المنظمات النسائية للدفاع عن حقوق الإنسان للمرأة؛ فهن يرفضن مثلاً الدعوة إلى المساواة المطلقة، ويتمسكن بالاختلاف بين الجنسين.

لم يفت هؤلاء العالمات بيان موقفهن من قضايا تشغل الرأي العام، كقضية ترشح المرأة للرئاسة. فوضحت سعاد صالح أن الإسلام لا يمنع المرأة من تولي منصب الإمامة الكبرى مستشهدة ببلقيس ملكة سبأ التي وصفها القرآن بأنها كانت امرأة حكيمة، غير أن سعاد صالح استدركت قائلة “شريطة ألا يطغى هذا المنصب على دور المرأة الأصلي باعتبارها زوجة ومربية وراعية في بيتها”.

13