نساء يُستبدل أزواجهن بآخرين وأطفال يباعون كالماشية

الكاتب محمد الناجي يسرد في كتابه "جند وخدم وسراري.." أحوال العبيد والسراريّ والخدم في المغرب في القرن التاسع عشر، في حكايات لخصت ظروف معيشة ومعاناة هذه الشريحة.
الأربعاء 2018/07/25
تاريخ مظلم لفئة مقهورة

يعدّ ماضي العبيد في البلدان العربية من التواريخ المجهولة نظرا إلى قلة التدوين الذي تناولها، لكن ما وصل إلينا من خلال الوثائق أو الحكايات المنقولة يثبت أن هؤلاء الناس عانوا الكثير من الظلم، كما يوجد منهم من انفتحت له الأبواب واسعة لينال مكانة مرموقة في المجتمع.

حوادث كثيرة وغريبة يرويها محمد الناجي في كتابه “جند وخدم وسراريّ ــ الرّق في المغرب” الذي صدرعن منشورات فاليا بالمغرب مؤخرا بترجمة محمد الغرايب، يصف مثلا مشاعر مغربي جبلي فرح بشرائه أَمة. وأخذ يُطريها لضيفه الأجنبي، قائلا “إنَّها تدخل علي المتعة قدر ما تدخله امرأتان وزيادة، ومن الربح ما يفوق ربح أربع بقرات وزيادة. أولِدُها صبيا كل تسع، وعندما يبلغ ربيعه الرابع أو الخامس أحمله إلى المدينة، وهناك أبيعه بأغلى ثمن كصغار الماشية”.

 وبهذا لا تكون الأمة في الكثير من الحالات إلا ولودا تعود بالربح على صاحبها. حيث يسرد الكتاب أحوال العبيد والسراريّ والخدم في المغرب في القرن التاسع عشر، في حكايات لخصت ظروف معيشة ومعاناة هذه الشريحة.

الجنس والعنصرية

بعض الباحثين كشونيي أخطأ حين أكد “كره البربر لذوات السحنة السوداء”، فلا يوجد في العلاقات الجنسية أدنى بصيص من العنصرية، فبقدر ما احتقر الأغنياء الإماء لوضعهن لا لألوانهن، فقد كانت رغباتهم في الإماء السود جارفة. ومن امتهان الإماء أن المبادئ الأولية للجنس كانت تُلقَّن على أيدي السراريّ، اللائي كان الأعيان يقدمونهن هدايا لسليليهم من البالغين، “فالأسر الغنية كانت ترسل بأبنائها، قبل سن الزواج، إلى بيت صغير مع زنجية ممن تكون محل ثقتهم”.

كتاب مثير
كتاب مثير

   وتحدث محمد الناجي أيضا عن منع الحمل والإجهاض في أوساط السراريّ، لمنع فضيحة أو للحدِّ من غيرة سيدة المنزل على زوجها من الأمة، ولكي لا يتعلق بها، أو لغرض آخر، فيقول، إن أساليب منع الحمل والإجهاض كانت منتشرة بشكل واسع، وكانت تستخدم وسائل بدائية في ذلك، إذْ يتم سقي السراريّ عند إمساك الطمث الأدوية التي ترخي عضلات أرحامهن فيجهضن. أو يتم ذلك بإدخال قطعة قماش بعملية مؤلمة أثناء الجماع، لمنع الحمل. ولكن الناجي أشار إلى أنَّ عقود الزواج بين العبيد لم تكن محترمة من قبل السادة، فبعض هؤلاء الأسياد بنية التربح، فرّقوا بين الزوج وزوجته، وانتزعوا الأطفال منهما إما بالبيع كالماشية وإما للسخرة في أماكن بعيدة لدى أسياد آخرين.

  ومما جاء من تجاوزات السادة على عبيدهم أن “سيدا أراد أن يختبر مدى فاعلية أحد السموم القاتلة، فسقاه لأحد عبيده فأرداه قتيلا على الفور. وفي حكاية أخرى أصاب الرعب أحد العبيد عند رؤيته لسيده، فأسرع إليه وأراد خنقه، فضربته أمة له بشاقور فقتلته، وطرحوه في المزبلة حتى أكلته الكلاب”. ويعترف الناجي أنَّ للرق في المغرب عدة وجوه بعضها متجهم كريه، والآخر له وجه حنون، إذْ عامل بعض السادة عبيدهم معاملة الأب الحنون، وقلقوا عليهم قلق الأب عند المرض، وشملوهم برعايتهم الفائقة.  

واستخدم العبيد أيضا كجنود في جيوش السلاطين، وكانت ألوية كاملة منهم تخدم السلطان، وهم لا يعرفون آباء أو معينا لهم غير السلطان، فهم مخلصون له حتى الموت. واستخدمت الزنجيات والأطفال السود، في منطقة تافيلالت جنوب المغرب، لجني التمر، فالنساء يقمن بالعمل كله، سَوْقُ الدواب، وبعضهن يطلب منهن جمع الحطب، فيتسكعن في الغابات غيرعابئات بمن ينالهن، ولا يمنعن أنفسهن عنهم، لذلك يلدن أطفالا لا يعرفن لهم أصلا.

أمناء مزارات

ذكر الكتاب الكثير من حوادث وفاء العبيد والسراريّ والخدم لسادتهم. أحدها عن سرية جميلة المعاني، فارعة الطول، كانت تزور سيدها المسجون، الذي كان يمضي مدة عقوبته لعدم تسديده دينا عليه. وكانت تخفف عنه مصابه، وتحمل له أنواع الطعام في كل زيارة له، ورُزق منها بطفلين هوّنا عليه مدة سجنه المظلمة. وفي حادثة أخرى
أنفقت سرية في المدينة دون حساب لإعالة سيدها المفلس، ولولاها لمات جوعا. ومن العبيد، هناك عبد كان كثير الحيوية والمكر، سُمح له بزيارة سيده في الحبس، فهرَّب سيده من سقف السجن.

كذلك استخدم الكثير من العبيد كأمناء في المزارات الدينية في المغرب، فزاوية السوس أوكلت حراسة مصالحها إلى عبد يدعى بالخير. علت مرتبته، ونال احترام جميع سكان منطقة سوس. ووصف عبد آخر في زاوية بمنطقة سلا القريبة من الرباط بأنَّه كان وقورا، متميزا، وعالما بالكتاب والسنة.

وعموما فقد تمتع هؤلاء القلة من العبيد، ممن أشرفوا على خدمة المزارات وحراستها على تقدير أسيادهم، وحصلوا أيضا على تقدير الناس. وكان أكثر العبيد حظوظا أولئك الذين يختارهم السيد لمصاحبته إلى حج بيت الله الحرام بمكة، وتكون لحظات اختيارهم من أجمل وأرهب اللحظات التي ينتظرونها.

كتاب “جند وخدم وسراري ــ الرق في المغرب” جاء في تسعة فصول للباحث الأنثروبولوجي محمد الناجي حكى فيه، عن فظائع وظلم الإنسان لأخيه الإنسان. ويعد أحد أهم الكتب التي وصفت مختلف أشكال ومعاني العبودية في المغرب في القرن 19.

14