نسخة معدّلة من حرب الساحرات

دخول السحر والشعوذة على الخط ليس فقط كظاهرة اجتماعية معزولة ولكن كحالة عامة تشغل مؤسسات رسمية كما هو الحال في ليبيا.
الخميس 2021/06/24
شعوب تبحث عن مبررات غيبية وخرافية لتخلفها وعجزها وضياع حالها

هيئة الأوقاف في ليبيا تناقش هذه الأيام قانونا جديدا تسعى لعرضه على البرلمان لتشريعه واعتماده، وهي ترى أنه ضروري ومصيري ويرتبط بمستقبل البلاد والعباد، وقد يكون أساس ما تسمى بالدولة المدنية والديمقراطية وسيادتها الوطنية، وربما يمثّل شرطا للتقدم والرقي والتنمية المستدامة، وأعني به قانون تجريم السحر والشعوذة المعروض حاليا للنقاش على نطاق واسع بمشاركة فقهاء وخبراء وأكاديميين يدعون إلى إيلائه أولوية مطلقة، وتوعية جماهير الشعب بمخاطر الظاهرة حتى لا تختلط عليهم المفاهيم بين السحر والشعوذة كأدوات شيطانية، والرقية الشرعية والحجامة والطبابة النبوية كثوابت إيمانية لا مجال للتشكيك في نجاعتها الصحية.

ولكن وكما هو واضح من الجدل الحاد حول مشروع القانون، فإن هناك خلافات حول إمكانية إعدام الساحر أو المشعوذ من عدمه، وفي حالة إقرار الإعدام، فإننا سنجد أنفسنا أمام استعادة لما كان سائدا في أوروبا من رعب وهلع خلال عصر محاكمات السحرة العظيم الذي امتد بين سنتي 1550 و1700 عندما حوكم 80 ألف شخص بتهمة السحر وأُعدم نصفهم، وأحرقوا أحياء في كثير من الأحيان.

 بين عامي 900 و1400 ورغم أن الإيمان الشعبي بالسحر كان قائما في أوروبا، رفضت السلطات المسيحية الاعتراف بوجود السحرة، وفي عام 1258 أصدر البابا ألكسندر الرابع قانونا يمنع الملاحقات القضائية في هذا المجال، ولكن بحلول عام 1550 عكست السلطات المسيحية موقفها مما أدى إلى مطاردة الساحرات، ويقول المؤرخون إن المؤسسة الدينية استعملت تلك الحرب للمزيد من إحكام السيطرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وفي دراسة لافتة يرى الباحثان الأميركيان بيتر ليسون وجاكوب روس أن محاكمات السحرة عكست منافسة غير سعرية بين الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية على حصة السوق الدينية، ويوضحان “بينما تنافست الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية المتصارعة على الفوز بأتباعهما أو الاحتفاظ بهم، كانت بحاجة إلى إحداث تأثير، وكانت محاكمات السحرة هي ساحة المعركة التي اختارتها، ومن منطلق الاستفادة من الاعتقاد الشائع بالسحر، باتت ظاهرة محاكمة السحرة تعبيرا عن الالتزام بالعلامات التجارية الطائفية وتوطيدا لسلطتها في حماية الناس من شر التأثيرات الدنيوية للشياطين”.

لم تنطلق مطاردة السحرة إلا بعد الإصلاح في عام 1517، وبعد الانتشار السريع للبروتستانتية. ويرى الباحثان أن الإصلاح قدم لأول مرة في التاريخ لأعداد كبيرة من المسيحيين خيارا دينيا: التمسك بالكنيسة القديمة أو التحول إلى الكنيسة الجديدة، وعندما يكون لدى رواد الكنيسة خيار ديني، يجب أن تتنافس الكنائس، وبلغت ظاهرة الحرب على الساحرات ذروتها بين عامي 1555 و1650، أي خلال الفترة التي شهدت ذروة المنافسة بين الطائفتين، وبروز الإصلاح الكاثوليكي المضاد، حيث عارض المسؤولون الكاثوليك النجاحات البروتستانتية في تحويل الكاثوليك إلى طرق جديدة للعبادة في جميع أنحاء العالم.

ويشير الباحثان إلى أن جنون الساحرات كان أكثر حدة حيث كان التنافس بين الكاثوليك والبروتستانت أقوى. لقد اختارت الكنائس ساحات القتال الإقليمية الرئيسية مثل القوى الحزبية الديمقراطية والجمهورية في الولايات المتحدة التي تركز الآن على الولايات الرئيسية خلال الانتخابات الرئاسية، ألمانيا مثلا شهدت حوالي 40 في المئة من جميع محاكمات السحرة في أوروبا، وعرفت أسكتلندا التي برزت بها سلالات مختلفة من البروتستانتية في غمار المنافسة ثاني أعلى مستوى من مطاردة الساحرات، حيث تمت محاكمة 3563 شخصًا، وعلى النقيض لم تشهد إسبانيا وإيطاليا والبرتغال وأيرلندا التي ظلت كل منها معقلًا كاثوليكيًا بعد الإصلاح ولم تعرف أبدًا منافسة جادة من البروتستانتية، سوى 6 في المئة فقط من الأوروبيين الذين حُوكموا بتهمة السحر.

في دول الربيع العربي برزت منذ العام 2011 معركة للسيطرة على المجتمعات بين الإسلام السياسي والتيار السلفي، وكل منهما يستعمل ما يراه صالحا لاستغلال حالة الهوس الديني المعبرة عن الهزيمة الحضارية والتصادم مع العصر والعالم، وبحث الشعوب عن مبررات غيبية وخرافية لتخلفها وعجزها وضياع حالها، ودخل السحر والشعوذة على الخط ليس فقط كظاهرة اجتماعية معزولة ولكن كحالة عامة تشغل مؤسسات رسمية كما هو الحال في ليبيا التي يريد فقهاؤها استعادة حرب الساحرات في نسخة معدلة للقرن الحادي والعشرين.

24
مقالات ذات صلة