نسخ ولصق إلى الأبد

مثل كل ابتكار، تم استخدام خاصية القص واللصق. صارت وصمة حين تتم الإشارة إليها. في عالم الصحافة مثلا، تعني أن المحرر لا يفكر. هو يقص ويلصق.
الأربعاء 2020/02/26
برمجيات جعلت التعامل مع الكمبيوتر سلسا

أذكر أول مرة شاهدت فيها كمبيوتر أبل من طراز ماكنتوش. كنت طالبا متدربا في مجلس البحث العلمي في بغداد عام 1985. التدريب جزء من الحصول على شهادة الهندسة. عليك أن تقضي وقتا في مؤسسة، وكان نصيبي مركز البحوث الإلكترونية في المجلس.

الكمبيوتر كان موجودا في الجامعات، وبدأ يتسلل إلى البيوت بنسخه التي تخلط بين الكمبيوتر البدائي والألعاب. لكن جهاز ماكنتوش كان شيئا مختلفا. فيه فأر يسيطر على الكمبيوتر. يحرك الأيقونة ويفتح ملفا من دون لوحة المفاتيح. وفي التعامل مع النص كانت هناك خاصية النسخ واللصق، والقص واللصق. شيء مذهل أن لا تحتاج إلى كتابة كلمات مرة أخرى وأن تكتفي بتحويلها من نقطة إلى أخرى في نفس النص أو إلى نص آخر. تكتب جملا، ثم تقرر أن تحولها إلى مكان آخر في النص. تك هنا ثم تك أخرى هناك. انتهى الأمر. خاصية أخرى لافتة كانت البحث عن كلمة، والبحث والاستبدال. كانت تبدو كالسحر.

تطورت العلاقة بيني وبين الكمبيوترات، وراحت أيام البرمجة بلغة فورتران وتثقيب الكارتات وتركها عند نقطة الاستلام لمركز الكمبيوتر في الكلية. تطورت الكمبيوترات كثيرا، لكن بقيت الأداتان المفضلتان لدي هما القص واللصق، والبحث والاستبدال. كتبت برمجية قصيرة أستخدمها اليوم مرات ومرات من داخل برنامج وورد. تصلني نصوص عديدة، وفي كثير من الأحيان فيها أخطاء شائعة مثل إساءة استخدام علامات التنقيط أو إصرار البعض على عدم التمييز بين على حرف الجر وعلي الاسم العلم. البرمجية الصغيرة تدخل على أي نص وتقوم بتصحيح أكثر من 90 بالمئة من هذه الأخطاء. أوفر الكثير من الوقت.

توفي لاري تيسلر مبتكر خاصية القص واللصق وخاصية البحث والاستبدال. يوميا ندين له بالكثير. سهل حياتنا بشكل استثنائي. جعل التعامل مع الكمبيوتر سلسا وغير معقد. ابتكاراته في شركته زيروكس، ومنها المساهمة بابتكار الفأر في الكمبيوتر، تسللت إلى حياتنا بطريقة لا يمكن وصفها أو تحديد حجمها. ابتكار يقوم على فكر نير يسعى إلى أن يسهل حياة الناس. هو من قائمة طويلة من المبدعين دخلوا بصمت ورحلوا بصمت، ولكنهم تركوا آثارا بالغة الأهمية على مسيرة الإنسانية.

مثل كل ابتكار، تم استخدام خاصية القص واللصق. صارت وصمة حين تتم الإشارة إليها. في عالم الصحافة مثلا، تعني أن المحرر لا يفكر. هو يقص ويلصق. في عالم البحوث العلمية صارت دلالة على الانتحال، بحيث صار من أول أولويات البحث الأكاديمي تدقيق أنه ليس مسروقا من مكان آخر “قص ولصق”. هناك برامج الآن مهمتها التقاط النسخ ورصد الانتحال العلمي.

كنت أبحث عن عظة كلاسيكية تقال في مثل هذه المناسبات ووجدت واحدة عبر غوغل. لكني قررت عدم “نسخها ولصقها” هنا.

24