نسرين بايمان ترسم الوجوه نفسها باللون نفسه

لا تخطط الفنانة التشكيلية السورية نسرين بايمان خطوطا مبدئية لإبراز شخوصها أو كائناتها اللونية، هي تضع اللون مقابل الفكرة أو الهدف، وتصنع لونا آخر مرادفا، ليس هذا لعبا تشكيليا، إنما هو استعارة للغرابة المحتملة واستعادة للجمال الذي فيها، في رغبة أكيدة في إضفاء حياة أخرى أكثر تماسكا وانبهارا.
الخميس 2016/04/07
لكل لون حكاية ومخيلة

ترسم التشكيلية السورية نسرين بايمان وجوها تحمل تلعثما أو طيبة زائدة عن حجمها، إلاّ أنها وجوهنا نحن، وغرابتنا نحن، ولا يمكن إخفاؤها أو حجبها عن الآخر، وإلاّ انفلتت اللوحة من ملامحها الأساسية وغدت سطحا بارزا أو درجا لا يفضي إلى أي مكان.

ترسم نسرين الوجوه تأكيدا للغرابة الطبيعية التي فيها، وتقدم في نفس الوقت الألفة والهدوء والتناسق الجمالي على حوافها، كأنها تعرف أن ثمة أرواحا حقيقية تسكنها وتلعب بها كيفما دارت واتجهت.

أرواح مجربة وواضحة ككف طفل، تعبث وتحيك للمشاهد ما لم تمسه هذه الأرواح المدارة والمتطايرة على دوام الساعة، ذلك ليس تجريبا روحانيا على ملامح شخصياتها، بقدر ما هو بساطة ما مفتعلة أو عفوية، لا يهم طالما أن لكل شخصية وراءها قصة ما، تذكار أو ذكريات دون تفصيل.

ليست للجسد هنا دلالة تفصيلية ومعنى تمثيلي إنما احتواء فراغي لعمق الجسد وكتلته المكانية، فاللون الواحد ليس تجريبا جماليا للوجوه، إنه أساس تشكيلي بمنطق الجمال المتعارف عليه، وفي أغلب اللوحات التي فصلتها نسرين تبرز هذه الجمالية وهذا العمق الدلالي للملامح.

أجساد مبعثرة برأس ثابت، طقوس بصرية تشبه الأساطير والحكايات الغريبة الطريفة، مرونة التفاصيل لكل جسد، دون أن تكون للون مفردة أو نسق، فالأصفر له حكاية والأزرق له لسان يحكي ويقص سيرا وحروبا طويلة، والأحمر ما هو إلاّ لغة الذهن في أحسن حالاته.

كل لون له مخيلة وتأمل لا حدود لهما، ولا دور للعين هنا إلاّ دور المشاهد الافتراضي الذي يقيس كل شيء وفق المسافة اللونية بينه وبين ضوء اللوحة، فاللوحة تحدث فيك ما لا يمكن للعين إحداثه.

ليست للجسد دلالة تفصيلية ومعنى تمثيلي إنما احتواء فراغي لعمق الجسد وكتلته المكانية

الكل يبتكر أدوات تواصله بالطريقة ذاتها في ترتيب الخيال وكيل اللون معتمدا على هذا التعبير الشعري الكامن فينا، بهذا القدر اللوني الشفيف الذي يشبه طراوة حلمنا، إننا نحاول دائما الإمساك بالحلم من خلال الفكرة واللون والأثر البصري، نتبع حواسنا كي تقودنا إلى ضالتنا في كشف الحكاية الإنسانية وفك رمزيتها بالطريقة التي تحمل معها ذواتنا وعمقنا.

نحن بحاجة إلى هذه الرموز من أجل تمكين خط حياتنا الأمامية، نقدم نفسنا للضوء على أنه الطريق إلى الجمال، فتتضح الصورة على شكل “موديل” خفي مفعم بالانفعال التعبيري دون أن يكون هناك ترف لوني أو خطابي، بل في أغلب لوحات بايمان نعثر على تقشف وبخل لوني، محاولة أن تختصر الفكرة بلون أو بلونين لا يحملان خطوطا وخلفيات مكشوفة ولا مساحة “زيتية أو مائية” يمكن الاشتغال عليهما أو الانطلاق منهما، إذ دائما ثمة توليفة ما من خطوط تجري خلف كل لوحة، خطوط آنية تنتهي وتختفي بظهور الوجوه وإشراقاتها.

وتمثل نسرين بايمان (قامشلي 1973) جيلا من الفنانات التشكيليات اللواتي اعتمدن على الذاكرة اللونية وعلى البورتريه والأشكال البشرية في كل تجلياتها، حيث تنوّع التشكيلية مواضيعها من لوحة إلى لوحة، وأحيانا نجد في اللوحة الواحدة أكثر من فكرة وحدث وهدف، وللفنانة أكثر من معرض في خارج سوريا، وهي المقيمة في ألمانيا.

16