نسرين بن عربية باليرينة متمردة ترقص في الساحات التونسية

راقصة الباليه نسرين بن عربية تُؤمن كثيرا بثقافة القرب التي قد تجعل فتاة صغيرة تُشاهدها وهي ترقص في الطريق العام، عاشقة لهذا الفن النخبويّ.
الثلاثاء 2020/04/14
كل الأماكن مُباحة لراقصة باليه جريئة

يبقى الباليه فنا نخبويا في العديد من الدول العربية، حيث هو فن كغيره من فنون الرقص يتأرجح بين نظرة دونية وأخرى مُثمنة لفاعله، وذلك حسب ثقافة المُتقبّل ومدى انفتاحه وتحرّره. لكن للباليرينة التونسية الشابة نسرين بن عربية رأيا آخر، بل فعلا آخر عمليا وميدانيا يكسر نخبوية هذا الفن ودونية نظرة المجتمعات الذكورية إليه.

تونس- “قاتلتي ترقص حافية القدمين/ ترقص.. ترقص/ حافية القدمين بمدخل شرياني..” مقطع من أغنية شهيرة لكاظم الساهر، أبدع في تلحين كلماتها وغنائها الموسيقار العراقي عن قصيد “أحبك.. أحبك.. وهذا توقيعي” لشاعر المرأة والحب نزار قباني.

أغنية/ كليب من إخراج اللبناني طوني أبوإلياس الذي أظهر في مشهد مطوّل في آخر الكليب، حبيبة كاظم وهي ترقص بين جمع من الناس حافية القدمين مُقلّدة الراقصة الشرقية سمارة في حركاتها، فيخجل الساهر من تصرّف حبيبته الأرعن وسط مُجتمع ذكوريّ إلى العظام. ويتقدّم رويدا ليسحب حبيبته من وسط حلبة الرقص والأعين الشرهة.

أغنية/ كليب صدرت في العام 2004 تحت عنوان “هل عندك شك؟”، يراها كل عاشق للفن والحياة مُجسّدة أمامه مع بعض الاختلاف، في صور جامحة وجريئة وضعتها الباليرينة التونسية نسرين بن عربية على صفحتها بفيسبوك.

صور لراقصة باليه تركت المسارح وقاعات العروض الضيّقة لترقص، صور لفنّها المُحبّب إلى قلبها “الباليه” في الطريق العام، في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس، في المدينة العتيقة، في محطة القطارات الشمالية “تي.جي.أم”، في الفيافي والغابات وعلى الشطآن أيضا. وإن كان الساهر في الكليب خجل من رقص حبيبته وهي حافية القدمين وسط العامة، حتى وإن كان مكان الرقص حلبة مُخصّصة لمثل هكذا حركات ورقصات، فإن الباليرينة التونسية لم تخجل من تعميم فنّها بين الناس، رغم كمّ الشتائم والتعليقات النابية أحيانا المُدوّنة على صفحتها، والتي لم تمحُها، طبعا، ربّما كنوع من التشهير المتمرّد على أعداء الحياة وطيور الظلام في تونس ما بعد 14 يناير 2011.

احتجاج ناعم

نسرين بن عربية: الرقص ملك للجميع، لا يجب قصره على فئة دون أخرى
نسرين بن عربية: الرقص ملك للجميع، لا يجب قصره على فئة دون أخرى

“العرب” سألت نسرين بن عربية عن أصل الفكرة، فقالت “انطلقت الفكرة/ المشروع باقتراح من المصوّر الفوتوغرافي التونسي محمد الشرميطي، والذي أقنعني بضرورة خروج الرقص وتعميمه على الناس في الساحات العامة كنوع من المُقاومة الجمالية لأعداء الفن الذين ظهروا في تونس ما بعد ثورة 14 يناير”.

وشهدت تونس إثر ثورة 14 يناير 2011 هبّة سلفية ضدّ الفن وأهله أجّجها بعض الرجعيين الذين يرون في الفن مسا من قدسية الدين الإسلامي وارتهانا لحُرمة المرأة. وتظل حادثة قصر العبدلية بالمرسى (الضواحي الشمالية لتونس العاصمة) في يونيو 2011 أكبر مثالا على هذه الهجمة الشرسة على الفن وأهله، حيث قامت مجموعة من السلفيين بالتهجّم على معرض جماعي للفن التشكيلي مُهشّمين لوحاته، بدعوى أن الرسومات المعروضة فيها مسّ بالمُقدّسات، مُطالبين بنُصرة الإسلام والرسول محمد.

تلت هذه الحادثة، حادثة أخرى لا تقلّ خطورة عن سابقتها، تلك التي وقعت أياما إثر الأولى، أي في يونيو من العام ذاته، أثناء عرض فيلم المخرجة التونسية نادية الفاني المُعنون بـ”لا اللّه لا سيدي”، حيث قالت حركة النهضة الإسلامية، حينها، إن عنوان الفيلم استفزازي، ومن هناك قام سلفيون باقتحام القاعة التي احتضنت العرض الأوّلي للفيلم واعتدوا على بعض المُشاهدين. فاضطرّت المخرجة إلى تغيير عنوان الفيلم إلى “العلمانية إن شاء الله”.

وتُضيف الراقصة الشابة، نسرين، (23 عاما) “راقت لي الفكرة، فجميل أن تُعمّم هذا الفن الراقي على عموم الناس، جميل أن تخرج بفن الباليه من إطاره الضيق ليعمّ الساحات والميادين والشوارع الرئيسية للمدن، كافة المُدن التونسية، ولِمَ لا في مرحلة مُتقدمة حتى الأسواق الشعبية؟”.

ثقافة القرب

حركات نخبوية تعمّ الشوارع التونسية
حركات نخبوية تعمّ الشوارع التونسية

تُؤمن نسرين بن عربية كثيرا بثقافة القرب التي قد تجعل فتاة صغيرة تُشاهدها وهي ترقص في الطريق العام، عاشقة لهذا الفن النخبويّ، مُضيفة “ولم لا تُصبح هذه الصغيرة مع التعلّم وتراكم التجربة راقصة باليه عالمية في قادم السنوات؟ فكم يكون جميلا أن تذهب أنت إلى الناس، بفنّك وسحره، لا أن يأتوا هم إليكم”. وفن الباليه هو نوع من الرقص يقوم على تقنيات الرقص التعبيري تُرافقه الموسيقى والحركات الإيمائية والمشاهد المسرحية. ومن أهم خصائص الباليه؛ الحركية والرقص على رؤوس أصابع القدمين.

ويعود لفظ الباليه إلى الكلمة الإيطالية Ballare، أي يرقُص، إذ كانت بداياته مشاهد تُؤدّى في البلاط الإيطالي أثناء عصر النهضة لتسلية الضيوف، ثم أطلقه الفرنسيون على حركات الرقص وتقنياته.

واكتسب رقص الباليه الكلاسيكي تقنياته من تطبيق نظام صارم في التدريب والتجارب على مدى أكثر من أربعة قرون، واعتمدت تقنياته على جعل الجسم يتحرّك بأكبر قدر مُمكن من المُرونة والسرعة والسيطرة والرشاقة. وعرف فن الباليه ذروة مجده مع الروسيين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خاصة مع مسرح “البولشوي”.

ويظل فن الباليه في تونس، وجل الدول العربية، فنا نخبويا لا تُتقنه إلّا قلة قليلة من الراقصات، لعلّ أشهرهنّ في عصرنا الراهن الباليرينة المصرية نيللي كريم التي تحوّلت إلى عالم التمثيل، ممّا يؤكّد مرة أخرى انحسار سوق هذا الفن في عالمنا العربيّ.

حركات راقصة إيقاعها هزيز الريح
حركات راقصة إيقاعها هزيز الريح

وفي المُقابل، يظل طموح الباليرينة التونسية نسرين بن عربية أكبر من نخبوية فنها، واقتصاره على الفئات الأرستقراطية دون غيرها، مُؤكدة في حوارها مع “العرب” أنها ستواصل، قريبا، أي بعد انتهاء فترة العزل الصحي الجماعي الذي فرضه تفشي فايروس كورونا بتونس، التقاط صور أخرى مع فوتوغرافيين آخرين بكافة المُحافظات والجهات، بل وحتى القرى التونسية شمالا وجنوبا، شرقا وغربا.. في مُحاولة جادة منها لتعميم هذا الفن على كافة الشرائح الاجتماعية والعُمرية أيضا.

قائلة بلغة موليار “الرقص مُعطى ما قبلي في الإنسان، وهو مُلك للجميع.. لا يجب اقتصاره أو احتكاره في فئة دون أخرى”.

وفي ردّ على سؤال أخير حول إمكانية رقصها في ساحات العواصم العالمية في قادم مشاريعها الفنية، قالت نسرين بن عربية “تبقى فكرة واردة، لكنني أودّ أرشفة هذا المشروع بتونس، أولا وأساسا”.

ونسرين بن عربية راقصة باليه مُحترفة، أصيلة مدينة نابل (شمال شرق تونس)، تعاملت كثيرا مع الكوريغرافي التونسي – العالمي عماد جمعة في أكثر من عرض راقص، لعلّ أبزره “ديمقراطية” في العام 2019.

16