نسرين ستودة.. قوة هزمت حكومة الملالي في عقر دارها

الأحد 2013/09/22
المحامية ستودة صوت لم يتوان عن فضح الاستبداد

أطلق يوم الأربعاء 18 سبتمبر سراح المحامية الإيرانية التي سجنت بسبب دفاعها عن حقوق الإنسان نسرين ستودة والتي تعتبرها الجماعات الحقوقية أبرز سجينة سياسية في إيران، وقال موقع إلكتروني إيراني معارض إن السلطات أفرجت كذلك عن سجناء آخرين يرتبطون بالاحتجاجات الحاشدة على نتائج انتخابات الرئاسة عام 2009، والتي فاز فيها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بفترة ولاية ثانية؛ الأمر الذي أثار الأمل بين النشطاء في إمكان تحقيق مصالحة بين القيادة الدينية المحافظة ومنتقديها المطالبين بالإصلاح.

ولم تكشف السلطات لستودة عن سبب الإفراج عنها ولكن بعض المحللين قالوا إن توقيت هذه الخطوة قبل أقل من أسبوع من كلمة روحاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يشير إلى أنها تهدف إلى تبديد مخاوف الغرب من سجل حقوق الإنسان الإيراني قبل الجلسة.

وأبلغت ستودة رويترز أنها تتوقع الإفراج عن آخرين احتجزوا في عهد أحمدي نجاد بسبب نشاطهم السياسي مشيرة إلى أن عددهم يبلغ نحو 300 ما بين رجل وامرأة، وقالت "ننتظر الإفراج عن جميع السجناء السياسيين.. لقد جاء ذلك متأخرا للغاية ولم يطلق سراح كافة المسجونين، أتوقع أن تستمر العملية التي بدأت.. وإذا لم تستمر فذلك يعني أنها كانت خطوة اتخذت من أجل المظاهر، ولكن أتمنى كثيرا أن يستمر ذلك".

وأشارت إلى أنها كانت تعتقد أنه سيتم الإفراج عنها قبل ذلك بكثير أي بُعيد انتخاب روحاني في يونيو، حيث تعهد في حملته الانتخابية بتخفيف القيود السياسية والاجتماعية في البلاد، كما صرحت أنها تعتقد أن زعيمي المعارضة مير حسين موسوي ومهدي كروبي اللذين اعترضا على إعادة أحمدي نجاد عام 2009 ويخضعان للإقامة الجبرية منذ عام 2011 سيفرج عنهما قريبا أيضا.

"مرونة خامنئي"

يأتي الإفراج عن ستودة غداة تصريح الزعيم آية الله علي خامنئي بأنه يؤيد "المرونة" في العمل الدبلوماسي الإيراني، ويذكر أنه ألقي القبض عليها منذ أعسطس 2010 بسبب نشاطها دفاعا عن حقوق الإنسان، وكان حكم عليها في يناير 2011 بالسجن 11 عاما وبالمنع من ممارسة مهنة المحاماة لمدة 20 عاما، بعد أن أدينت بتهم ضبابية الصياغة والمعنى وهي "القيام بأفعال تمس من الأمن القومي وبالدعاية ضد النظام" وهاتان التهمتان تستخدمان كثيرا من قبل القضاء الإيراني لإدانة معارضي السلطة الجائرة.

كما حكم عليها لانتمائها إلى مركز شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام للمدافعين عن حقوق الإنسان، والتحقت المناضلة نسرين ستودة بسجن إيفين شمال طهران حيث تم جمع السجناء السياسيين، وهناك خاضت عدة إضرابات عن الطعام للاحتجاج على ظروف سجنها وعلى قرار المنع من السفر الذي طال أسرتها.

وتم خفض عقوبتها إلى ست سنوات من قبل محكمة الاستئناف في شهر سبتمبر 2011، بحسب منظمة العفو الدولية التي تبنت قضيتها واعتبرتها "سجينة رأي"، كما لقي إطلاق سراح ستودة ترحيبا من المنظمات الحقوقية في العالم ومن بعض المسؤولين في الغرب وقال مارتن شولتز رئيس البرلمان الأوروبي "أرحب بنبأ إطلاق سراح نسرين ستودة وغيرها من السجناء السياسيين في إيران".

يشار إلى أن البرلمان الأوروبي كان قد منح ستودة والمخرج السينمائي الإيراني جعفر بناهي في شهر ديسمبر 2012، جائزة ساخاروف لحرية الفكر التي توازي قيمتها جائزة نوبل للسلام، وأوضح رئيس البرلمان أن رؤساء الكتل السياسية في البرلمان الأوروبي اجتمعوا على هامش الجلسة العامة في ستراسبورغ، واختاروا "بالإجماع" منح الجائزة للمعارضين الإيرانيين"، وصرح نائب ألماني: "أردنا عبر ذلك التعبير عن إعجابنا بامرأة ورجل قاوما الترهيب الذي يتعرض له الإيرانيون".

وفي السياق ذاته رحّب وزير الخارجية البريطاني، وليام هيغ، بالإفراج عن المحامية الإيرانية ستودة وقال إن الإعلان عن أن عدداً من السجناء السياسيين الإيرانيين، بمن فيهم محامية حقوق الإنسان ستودة، أُخلي سبيلهم من السجن "سيخلق ارتياحا كبيرا لعائلاتهم وأنصارهم في جميع أنحاء العالم".

وأضاف أن بلاده "تأمل في أن ترى المزيد من التحسينات في سجل إيران في مجال حقوق الإنسان في ظل حكومة الرئيس الجديد حسن روحاني".

شجاعة نسرين ستودة ومقاومتها للقمع جعلتها تخلّد اسمها في تاريخ الدفاع عن حقوق الإنسان

"أنا حرة للأبد"

قالت ستودة غداة إطلاق سراحها إنها تعتزم مواصلة عملها في المحاماة، حيث تتضمن عقوبتها منعها من ممارسة المحاماة لمدة 20 عاما ولم تذكر السلطات ما إذا كان هذا الحظر قد ألغي أم سيظل ساريا في حين تقول هي: "قطعا سأواصل عملي في المحاماة من أجل تحقيق العدالة.. فحلمي هو إقامة العدل في جميع أنحاء العالم بما فيه بلادي، وسأعمل على ذلك بالطرق السلمية".

وصرحت معبرة عن فرحتها "أطلق سراحي من السجن إنني سعيدة لكنني أشعر أيضا بالقلق على أصدقائي في السجن"، وأضافت " أنا حرة للأبد"، ولعل أبرز وأشهر محطات نضالها الذي تواصل وراء القضبان كان إضرابها عن الطعام لمدة 50 يوما تقريبا العام الماضي لإجبار السلطات على إلغاء حظر للسفر فرضته على ابنتها الصغيرة. وكانت الولايات المتحدة من بين البلدان التي انتقدت إيران وطالبت بالإفراج عن ستودة خوفا على حياتها.

وأضافت ستودة أن توجه روحاني الذي يلوح باعتداله وبأن البلاد ستشهد مرحلة جديدة فيما يخص دعم حريات وحقوق الإنسان في عهده، هو ما يجعلها تعتقد أن تفرج حكومته عن مئات الأشخاص المحتجزين بسبب آرائهم السياسية وذلك في محاولة لإظهار جديتها في الإصلاح. وقال محللون إنهم يتوقعون من روحاني أن يقدم صورة جديدة لإيران تعكس استعدادا أكبر للتعاون مع الغرب مقارنة مع سلفه أحمدي نجاد الذي تبنى سياسات عدائية.

وأوضحت نسرين ستودة في اتصال هاتفي مع إحدى وكالات الأنباء بعيد الإفراج عنها مع العديد من السياسيين والصحافيين الإصلاحيين "لديّ ترخيص بالعمل وسأستمر" في الدفاع عن حقوق الإنسان مؤكدة أنها "في لياقة تامة جسديا ونفسيا"، رغم ما تعرضت له من ويلات طيلة سنوات سجنها ومن سوء معاملة من القائمين على السجون ومن الحكومة ذاتها.

وبعد أن أوصلتها سيارة حكومية من السجن إلى باب منزلها مساء الأربعاء، على حد تأكيد زوجها رضا خاندان، الذي صرح في مكالمة هاتفية مع إحدى وكالات الأنباء "إنه ليس إفراجا مؤقتا، بل الحرية"، وأضاف "نحن فرحون من كل قلوبنا، ولكننا ننتظر أن يغادر آخر سجين السجن، وعند ذاك ستكتمل فرحتنا".

وقالت نسرين وهي في منزلها بعد سنوات من السجن: "نفسيا، أنا في حالة جيدة رغم ما حملته تجربتي من ضغط نفسي وجو أمني ثقيل وعدم إمكانية إجراء اتصالات هاتفية إلى جانب أمور أخرى صعبة للغاية".

وأضافت أن حالتها الجسدية "جيدة" على الرغم من التدهور الصحي الذي سببه لها إضراب الجوع الذي نفذته قبل عشرة أشهر تقريبا للاحتجاج على ظروف الاعتقال، وسوء المعاملة لها ولعائلتها.

وبدأت المحامية والأم إضرابها عن الطعام في 17 أكتوبر 2012، احتجاجا على ممارسة الضغوط والمضايقات اللاإنسانية ضدها و ضد عائلتها، ومن بين تلك الممارسات منع ابنتها من الخروج و كذلك حرمانها من زيارة طفليها وفرض قيود على زيارات أسرتها لها، ولم توقف إضرابها إلا بعد أن ضمنت رفع القيود القضائية على ابنتها مهراوة خاندان وإقرار حقها في السفر خارج إيران.

ومساندة للحقوقية ستودة أصدرت عدة منظمات حقوقية بيانات نددت فيها بممارسات السلطات الإيرانية الظالمة ضدها، فقد قالت منظمة العفو الدولية: "يجب على السلطات الإيرانية وضع حد للمضايقات التي تتعرض لها أسرة المحامية الحقوقية البارزة وسجينة الرأي نسرين ستودة على الفور، في الوقت الذي فُرض فيه حظر على سفر زوجها رضا خاندان وابنتهما مهراوة خندان".

وصرحت آن هاريسن، نائبة مدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة العفو الدولية "إن فرض حظر على سفر ابنة نسرين ستودة الصغيرة وزوجها، هو بمثابة إشارة لا تخلو من مغزى، فمن الواضح أن المقصود من ورائها هو إجبار أسرتها على إيقاف حملتها من أجل الإفراج عنها.. يجب على السلطات الإيرانية لا إلغاء قرار الحظر على السفر والكف عن مضايقة أسرة نسرين فحسب، بل أيضاً إطلاق سراحها على الفور ودون أي شروط، باعتبارها سجينة رأي لم تُسجن لسبب سوى ممارستها السلمية لمعتقداتها، وعملها المشروع من أجل حقوق الإنسان".

ظلم نظام الملالي

قد تعرضت أسرة هذه الحقوقية للمضايقات مراراً أثناء سجنها فقد أودع زوجها رضا خاندان، الذي كان يناضل علناً من أجل الإفراج عن زوجته، في سجن إوين ليلة كاملة بعد استجابته لأمر باستدعائه، وأخضع للاستجواب لمدة نحو 10 دقائق وهو معصوب العينين، ثم أُمر بكتابة اثنتين من إجاباته؛ واتهم بـ"نشر أكاذيب" و"تعكير الرأي العام" بسبب خطاب أرسله إلى مكتب المدعي العام شكا فيه من ظروف اعتقال زوجته.

ومباشرة بعد حصولها على شهادة في دراسات الحقوق من جامعة شهيد بهشتي في طهران، بدأت نسرين ستودة نضالا استمر سنوات للحصول على حق مزاولة مهنة المحاماة، وكرست بداية نشاطها في الدفاع عن الشبان المحكومين بالإعدام في جرائم ارتكبوها عندما كانوا قاصرين، وهي من بين الممارسات القضائية في إيران التي تدينها باستمرار المنظمات الحقوقية الدولية والأمم المتحدة.

ومنذ عام 2009، بدأت ستودة مهمة الدفاع عن معارضي النظام الذين اعتقلوا بالمئات بعد التظاهرات الاحتجاجية التي أعقبت إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا، كما تولت الدفاع عن شخصيات عدة مثل الصحافي عيسى سحرخيز وعن كثير من المتظاهرين المغمورين، ودافعت عن شيرين عبادي وأعضاء آخرين في مركز المدافعين الحقوقيين الإيرانيين، خصوصا من المحامين. وهو ما جعلها تثير غضب النظام وتستفزه أكثر من خلال المقابلات التي لم تتوان عن إجرائها مع وسائل إعلام غربية بعد القمع عام 2009، والتي تم استحضارها في لائحة الاتهامات الموجهة إليها خلال محاكمتها. هذه المسيرة وهذا الكفاح المتواصل لدعم العدالة والحرية جعلها تحظى بدعم منظمات وشخصيات غربية عدة بينها وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون، والبرلمان الأوروبي والمنظمات الحقوقية الدولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، والحملة الدولية لحقوق الإنسان في إيران، ومراسلون بلا حدود، والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، والرابطة الإيرانية للدفاع عن حقوق الإنسان.

إن شجاعة نسرين ستودة ومقاومتها المتواصلة للقمع ومواجهتها للنظام بكل شجاعة داخل السجن وخارجه، جعلتها تخلّد اسمها في تاريخ الدفاع عن حقوق الإنسان، وسوف تذكرها المحافل الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان بصورة عامة وبحقوق المرأة بصورة خاصة، لأنها ستظل رمزا للمرأة المناضلة والمكافحة في سبيل الحق والحرية والعدالة في ظل نظام دكتاتوري استبدادي، وستظل الحقوقية التي تستحق أن تفتخر بها النساء وتتخذها نموذجا يحتذى في القوة والصمود والصبر.

20