نسف التاريخ الشفهي المسيء للمرأة في مصر يحررها من التسلط

حملات توعوية تستهدف ضرب المعتقد الثقافي والفكري في المجتمع تجاه نظرته إلى المرأة بالطعن في الميراث الشعبي لدى الأفراد.
الأحد 2020/12/06
جل الأمثال الشعبية المصرية تحط من قيمة المرأة

عمقت الأمثال الشعبية المصرية النظرة الدونية للمرأة ورسخت عبر أجيال تفوّق الرجل عليها ممّا ساهم في المزيد من تعرضها للعنف وسبّب لها أزمات نفسية. وتشن مصر حملة ضد المعتقد الثقافي والفكري في المجتمع تجاه نظرته إلى المرأة بالطعن في الميراث الشعبي لدى الأفراد، وإعادة تعريف مقاييس الرجولة.

القاهرة - أطلق المجلس القومي للمرأة في مصر (جهة حكومية)، حملة موسعة لنسف الأمثال الشعبية التي طالما وضعت النساء في مراتب دنيا، وتسببت لهن في أزمات نفسية وأسرية، في محاولة كي تكبر الأجيال الجديدة على ثقافة ونظرة أكثر تحضرا واحتراما للمرأة، والسعي إلى إقناع هذه الشريحة بأن الأمثلة الشعبية ليست خلاصة تجارب بشرية، بل هي أعراف بالية قد تتناقض كليّا مع التحضر.

وعقب انتهاء الحملة في العاشر من ديسمبر الجاري سوف تكون هناك مبادرات مكمّلة لمشروع نسف التاريخ الشفهي المسيء للمرأة، احتراما لدورها في الحفاظ على كيان الأسرة، عبر حملة توعوية في برامج تلفزيونية، والنزول إلى الشوارع، وعقد ندوات تشارك فيها شخصيات عامة وحقوقيون ومواطنون ورموز فنية للترويج للأمثلة الجديدة.

تستهدف الحملة ضرب المعتقد الثقافي والفكري في المجتمع تجاه نظرته إلى المرأة بالطعن في الميراث الشعبي لدى الأفراد، وإعادة تعريف مقاييس الرجولة، والتأكيد على أنها لا يمكن اكتمالها دون وجود امرأة، لأنها ليست مسلوبة الفكر أو عورة أو ناقصة عقل، ولا تسيء لوالدها إذا دللها، كما نعتها المتعصبون للأمثال الشعبية.

جاءت المرحلة الأولى من الحملة في صورة مسابقة إلكترونية، حيث يتم نشر مثل شعبي على الحسابات الرسمية للمجلس القومي للمرأة بمنصات التواصل الاجتماعي، مع حذف الكلمة المسيئة للنساء من محتواه اللغوي، ويشارك الجمهور بوضع كلمة أخرى مكان المحذوفة تليق بالمرأة ومكانتها وتحترم كيانها وترد إليها اعتبارها.

جمع المجلس القومي للمرأة أبرز الأمثلة المهينة للنساء، بغرض تقديمها في قوالب نقدية ويقوم المشاركون بأنفسهم بتغييرها، مثل “صوت المرأة عورة”، حيث تم طرحه دون آخر كلمة على طريقة “صوت المرأة …”، والمطلوب من المشاركين وضع كلمة متحضرة، فجاءت الإجابات “صوت المرأة قوة”، “صوت المرأة نعمة”، “صوت المرأة حياة”، “صوت المرأة نهضة”، “صوت المرأة تقدم”، “صوت المرأة عزة”، إلخ.

أظهر التفاعل النسائي مع الحملة، حجم الكبت والضيق الذي تعيشه المرأة المصرية من ظلم وتحقير الأمثال الشعبية لها، واستخدامها كسلاح ضد النساء عندما ترتكب أيّ منهن خطأ أو تقوم بفعل لا يتناسب مع معتقدات أسرتها، أو البيئة التي تعيش فيها، أو المجتمع عموما.

تم التركيز على الأمثال الشعبية الأكثر انتشارا بين عموم الناس، المرتبطة بالترويج للعنف اللفظي والجسدي ضد المرأة وطريقة معاقبتها إذا أخطأت، أو ما يتعلق بكونها أنثى، وحتى التي تلاحقها بالسخرية منذ ولادتها إلى تعليمها ومراحل زواجها وإنجاب الأبناء وتربيتهم.

كثيرون يبررون عنفهم الجسدي واللفظي بالاستناد إلى الأمثلة الشعبية كقوانين عرفية تحكم على المرأة بالإدانة دائما

أزمة الأمثال الشعبية في مصر، تتمثل في أنها تطول كل النساء دون استثناء، ولكل شريحة منهن مجموعة أمثلة تقدمها للمجتمع في صورة أقرب إلى الشيطان، سواء كانت زوجة أو حماة أو فتاة لم يسبق لها الزواج، أو مطلقة، وكثيرون يبررون عنفهم الجسدي واللفظي بالاستناد إلى المثل كقانون عرفي تحكم مواده على المرأة بالإدانة دائما.

بدا التركيز بشكل أكبر وأعمق على الفئات الشبابية والمراهقين، بحيث تتم تنشئة هذه الشريحة وتربيتها على قيم تمكين واحترام المرأة، حتى لا يكبر هؤلاء ويتعاملون مع النساء بالطريقة التي تربّوا عليها، وتكرست في أذهانهم عبارات تشرع ضرب الأنثى، تطبيقا للمثل الدارج “المرأة مثل السجادة لا تنظف إلا بالخبط (الضرب)”.

وأكدت عبير سليمان الناشطة الحقوقية البارزة في قضايا المرأة، لـ”العرب”، على أن معضلة الكثير من الأجيال المعاصرة أنهم نشأوا على أمثلة مسيئة للنساء توارثوها عن الآباء والأجداد، ولأن الأمل في الفئات المتقدمة في السن بات ضعيفا لتغيير قناعاتهم، كانت الفكرة في استمالة الأبناء بعيدا عن الخرافات، واستثمار انفتاحهم لتسويق الفكرة.

وتركّز الطعن في الأمثال الشعبية، الدينية والبدائية منها، باعتبارها أشد قسوة على المرأة في مضمونها وتفسيرها، بحكم الترويج لها من جانب المتشددين والرجعيين والأميين، ويتم التسويق لها مع كل أزمة أو قضية تكون الأنثى طرفا أصيلا فيها، بحيث يتم إقناع الناس بأن الذنب يقع عليها، وبسهولة يتم تحويلها من مجني عليها إلى جانية.

وخطورة الأمثال الشعبية أنها تستبدل قانون الدولة بقانون بدائي، والأزمة الأكبر عندما يكون المثل بمثابة حكم قضائي واجب النفاذ، كأن تعنف الفتاة على ملابسها، وتُضرب لتتوب عن فعل بعينه تطبيقا لمقولة “اكسر للبنت ضلع يطلع (يخرج) لها 24”.

وقالت سليمان، إن “تغيير النظرة إلى المرأة يبدأ من عدم مطابقة الميراث الشعبي عن المرأة للصورة التي تناولتها في الأديان، ودورها الراهن في خدمة بلدها، فلم يعد مقبولا وصفها بالحيّة أو اختصار قيمتها في الطبخ، وإقناع الأخ بأن عِرضه مطعون فيه، طالما هناك فتاة بالمنزل، على طريقة “إن ماتت أختك انستر (حفظ) عرضك”.

وتقوم المرحلة الثانية، على اعتماد المثل الشعبي بمحتواه الجديد لتقديمه إلى الشارع في لقاءات مباشرة مع الناس عبر ندوات تثقيفية تشارك فيها شرائح مختلفة، وعبر وسائل الإعلام، واستخدامها في كل اللقاءات الخاصة بالحملات التي ينظمها المجلس القومي للمرأة والمنظمات النسائية والحقوقية.

وترى أصوات نسائية، أنه من الضروري تقديم الأمثال الشعبية بعد تنقيحها من التوصيفات المسيئة، إلى المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج الدرامي والسينمائي، باعتبارها قوة ناعمة تستطيع الوصول إلى شريحة أكبر من المجتمع، وقادرة على تثبيتها في أذهان الجمهور.

20