نسف القاعدة الثابتة

الأحد 2016/04/24
مادة زخمة

عندما تَستبدل لون حبر دواتك بلون الدّم مُكرها يغصّ القلم. هي جلطة، أو ذبحة قلميّة تعيق تحرير كلمات تتعارض ومبادئ الإنسانيّة. ما أصعبها على الأديب! يغصّ قلمه، ويغصّ هو بدمعه، يتوحّدان سويّا في كتلة من المشاعر والأحاسيس تتمرّد على زمنٍ استباح الإنسانيّة.

عمّاذا يكتب الرّوائيّ في زمن الدّم؟ هل يكتب عن طفل بعمر الزهور يقتل بدم بارد، عن أمّ شهيد تزغرد أمام جمهرة من الناس، وتنهار عندما تعود إلى غرفة فقيدها ترمي بنفسها على سريره، تضمّ وسادته، تشتمّ رائحته، تنتعش ذكرياتها معه، تغيب عن الدّنيا في إغماءة قد تطول أو تقصر بعد أن تطلق صرخة تدمي القلوب؟ عن أب شهيد يقف أمام الكاميرات قويّا يتحدّث عن مشاعره بالفخر بإباء وكبرياء، إلى أن تختفي الكاميرات فيغلبه الدّمع دون مقاومة تذكر.

عمّاذا يكتب الرّوائيّ في زمن الدّم؟ هل يكتب عن "ربيع" كانت بداياته أكبر من الحلم، صفقنا له، رحّبنا به، استقبلناه بأجمل ضحكة، وإذا بالفصول الأربعة تتداخل مع بعضها البعض، نسمع صوت قهقهتها تستخفّ بسذاجتنا، فلم نعد نميّز بين الرّبيع والخريف. بتنا تائهين ضائعين.

ترى أكان ربيعًا حقًا! إذن، فلماذا وصل الدّم إلى الركب؟ فلا أمن ولا أمان، لا سلم ولا سلام. لم يعد للروح قيمة، فالأرواح تحصد دون اعتبار. ابن آدم يذبح كما تذبح الخراف، النساء يتعرضن لشتّى أنواع التحرش، ليس في خلوة، بل أمام أحفاد "معتصماه". ولا مجيب لصرخات استغاثتهن، سيحلّ عليهم غضب الجد إلى يوم الدين.

قد يرى البعض أن الكاتب يجد مادة زخمة في ظلّ ما يجري على السّاحة العربية، ناسيًا، أو متناسيًا أننا نتحدّث عن مرحلة لم تنته بعد، لم يهضمها الأديب بعد، ليس هناك ركيزة ثابتة ينطلق منها الحرف. قد يفاجأ بتطوّرات لم تكن بالحسبان. على الأديب أن يكون حذرًا جدًا في نصوصه الأدبية في مرحلة غير مكتملة، المشهد لا زال ضبابيًا، في زواياه تختفي الحقيقة. فكل حرف يخطّه يُحسب له أو عليه. قد يخدمه أو يتسبّب بلعنة عليه تصحبه مدى العمر.

الرّواية فن من أصعب الفنون الأدبية. هي ليست لحظة مأزومة كالقصيدة تستدعيك وتلحّ عليك شئت أم أبيت، فتخرج صرخة مدويّة تحكي لحظتها.

الرّواية "أميرة" الفنون الأدبية، لا تأتي وحدها أبدًا، تنتظر دعوة من الأديب، بعد أن يكون قد مهّد لها الطريق وعبّدها، فيغوص في تفاصيل تفاصيلها.

كانت لي قصة مع المدعو "الربيع العربي"، خدعتني انطلاقته، بث الأمل في روحي، ملأت دواتي بتفاؤل غير مسبوق، لم أستطع أن أقاوم إغراء التطورات التي شهدها وطننا الكبير. فاستحضرت أحداث روايتي "غفرانك قلبي"، وسننت قلمي لأخط البداية، وإذا بالأحداث تركض في غير اتجاه، انحرف المسار، فما كان منّي سوى نسف القاعدة الثابتة التي ارتكزت عليها روايتي واستبدالها بقاعدة متحركة مرنة أمدّ منها خيوط الأحداث من كل لون. فلا زال الطريق طويلًا.

ومع كل هذا يصمد الأديب، فهو يعي تمامًا مدى أهمية دوره. فلا بد من إيجاد سبيل ليمرّر عبره الرّسالة، ولكن عليه التّروّي، وربما التّوقف عن الكتابة فترة من الزمن حتى تختمر الفكرة وتصل حد النّضج ليقدم لقرائه نصوصًا شهية. وإلّا فلماذا يكتب، ولمن يكتب؟!

كاتبة من فلسطين

11