نسكن البيوت أم تسكننا

اليوم باتت الأسر العصرية تهتم بالجوانب النفسية للطفل وتوفّر الوعي -ولو نسبيا- بضرورة مراعاة رغباته وفهمه واستيعابه.
الأربعاء 2019/03/27
الحنين إلى الطفولة

المتعارف عليه أننا من يشيد المنازل والبيوت لنسكنها، لكن ماذا لو وجدت نفسك مسكونا ببيت غادرته منذ ما يزيد عن عشرين سنة؟

هل هذا ما يسميه البعض لعبة الأقدار أم تعلق نفسي ووجداني فاق المعتاد؟ هل هناك قوى خفية تدير عواطفنا دون أن نفهم ولا نستطيع حتى التدخل في ذلك؟

ملامح الوالدين وملامح الأهل والأعزاء على أنفسنا التي ترسخ في عقولنا منذ الطفولة ونتعلق بها ونحبهم قلبا وقالبا، لا تزيد كثيرا عن ملامح الأماكن والبيوت فهي بدورها ترسخ في أذهاننا.

عندما يعيش الطفل طفولة مضطربة وعندما يتم التلاعب بحياته كما بإقامته، عندما يُنقل من مكان إلى آخر فجأة أو بعد صدمة، ومن دون الحديث معه ولا مناقشته فإن ذلك يترك بداخله ارتجاجات نفسية كبيرة وشرخا حتى في تكوينه ونفسيته، قد لا يتمكن مهما كبر وتغير أن يتجاوزها وقد تعيش معه أسئلة وحالات نفسية لا يفهمها ولا يستطيع مواجهتها.

تعلق الطفل في السنوات الأولى من العمر لا يقف عند الأقران والأسرة بل يتجاوزه إلى حب المكان، ومن ذلك مفاهيم مثل مسقط الرأس والحنين للصغر… ومثلما تحتضن الأم والأسرة الصغير وتحتويه وتؤثر فيه، تحتضنه الأماكن والبيوت وتؤثر فيه أيضا، لكن البعض من هذا التأثير قدلا نجد له تفسيرا.

دخلت بيت أمي الثانية ومربيتي في عمر السبع سنوات، أقمت وعشت فيه غير راضية في البداية، وبعد أشهر أحببته وتعلقت به وبمن فيه تعلقت بتفاصيله وبجدرانه وبكل زواياه، خرجت من نفس البيت بعد سبع سنوات غير راضية مرة أخرى، أخذت منه تاركة أجمل سنوات الطفولة.

لم يفارق ذلك البيت مخيلتي ولا وجداني ولم أنسه ولم أنس من فيه، في السنوات الأخيرة بعد وفاة ربة ذلك البيت وألم الفقد عاد ليتربع في وجداني بشكل قوي وكأنه قطعة مني، زرته بعد سنوات من وفاة مربيتي، تغير البيت شكلا، تغيرت ملامحه ولم تعد لا غرفتي ولا غرفتها موجودتين، لكني رأيتهما وشممت رائحة حبيبتي ولعلي سمعت صوتها. يومها أصابتني هيستيريا من البكاء ومن وقتها لم أعاود الكرة، بت أخاف دخوله ويعاودني ذلك الشعور الذي لا أجد له توصيفا.

هول اللقاء بذاك البيت كان بمثابة تسليمه شهادة ملكية في وجداني، زاد ترسخه داخلي، وكأنه مرض عضال لا شفاء منه، لا يمر أسبوع دون أن أراه في منامي وأتجول في أركانه وأقابل حبيبتي فيه، أراها أحيانا تضحك معي كما كنا، ومرات تحدثني وتوصيني، ومرات تبحث عن شيء نسيناه لتعطيه لي.

ومع كل حلم تراودني الذكريات وتستيقظ الكثير من المشاعر منها الحنين والألم وأحيانا الحيرة. كلما تعبت أو فشلت وكلما احتجت للمساعدة وكلما اشتقت لطفولتي وكلما اشتقت لحبيبتي أكون متأكدة من أن منامي سيكون في ذلك البيت. ما يزعجني أنه بات كالوسواس القهري.ما الذي يجري؟ وماذا يسمى هذا الشعور، وهذه الحالة النفسية التي يثيرها فيّ هذا البيت؟

لم أتوصل للإجابة لكن الثابت عندي أن هذا البيت أصبح يسكنني، إنه يلازمني بشكله الأول وشكله الثاني يذكرني بخطوط حياتي العريضة أو لعل روحي وروح حبيبتي بقيتا على اتصال، تتواعدان هناك، مع كل موجة اشتياق.

حيرني هذا البيت، ولكني بت أومن أنه ليس نحن البشر نسكن البيوت والمنازل فقط، بل إنها قادرة على أن تسكننا طول العمر. إن كل التجارب التي تمر على الإنسان لا تترك أثرا عميقا مثل تلك التي يعيشها في طفولته.

اليوم باتت الأسر العصرية تهتم بالجوانب النفسية للطفل وتوفّر الوعي -ولو نسبيا- بضرورة مراعاة رغباته وفهمه واستيعابه، منذ سنوات ليست بالبعيدة لم يكن الأهل يعيرون اهتماما لأوضاع الطفل النفسية يتصرفون معه كما لو كان شيئا وملكية أو مرتبة يضعونها حيث يريدون وفق ما يبدو لهم مناسبا.

21