نشأة داعش في كتاب… قوة الأسطورة تكمن في قوة أسرارها

الجمعة 2015/05/15
الكتاب يخلص في مجمله إلى أنّ قوة داعش تكمن في قوّة سره

كثيرة هي التفسيرات التي تتعلق بظهور تنظيم “داعش” ومتعدّدة؛ ففي حين يرى البعض أنه صنيعة دولة ولي الفقيه، انطلاقا من فكرة مفادها أنه جُعل لإنقاذ النظام السوري وإنهاء الثورة، يرى البعض الآخر أنه صنيعة الاستخبارات العالمية بغاية إحداث حرب عالمية ثالثة، تكون نتيجتها تشكيل حكومة عالمية. غير أنّ شقا آخر يطرح تفسيرا أقرب إلى الواقع مفاده أنّ التنظيم ظهر بسبب مظاهر الظلم والطائفية والفقر التي سلُّطت على الطائفة السنية في العراق، بعد الغزو الأميركي الذي فتح المجال لإيران وأذرعها كي تعبث بأمن العراق وثروات أهله.

تفسيرات عدّة يتناولها كتيّب بعنوان “لغز داعش.. قوة الأسطورة في قوة سرها”، للكاتب نبيل الملحم، يطرح من خلاله معظم الإشكاليات التي رافقت ظهور التنظيم المتشدّد والتي لا تزال قائمة.

ويحيل ظهور داعش، وفق الكتاب، إلى ذاكرتين؛ الأولى تتعلق بماضي الفتوحات وقوة العرب والمسلمين وضرورة استعادة ذلك المجد الضائع، والثانية تتعلق بحاضر تحوّلت معه البلدان العربية إلى منابع للنفط غير أنها مازالت تعاني الكثير من الفقر وتجابه جملة من الأزمات والحروب والتهديدات الإقليمية الإيرانية والعالمية الأميركية.

ولأنه لا يمكن الحديث عن نشأة داعش دون التطرق إلى شخصية أبي بكر البغدادي، يشير الكاتب إلى أنّ أستاذاً له كان يقول “أن البغدادي لم يكن سلفياً، وليست له صفات مميزة ليصبح على هذه الحال التي صار عليها، وأنّ سرية دوره وعدم ظهوره الإعلامي الدائم، على عكس بن لادن والظواهري، تعدّ إحدى أسرار داعش الكبرى، وتزيد من الالتباس الذي يحوم حول ظروف نشأة لتنظيم”.

سرّ آخر، يتطرق إليه الكتاب، مفاده أنّ تكفير داعش لكافّة المجموعات الجهادية ووصمها بـ”الصحوات”، يؤكد أنّ النشأة كانت عراقية صرفة، على عكس تقرير، دي شبيغل، الذي زعم أنّ التنظيم تشكّل في سوريا على يد ضابط استخبارات عراقي، وكان يراد من ذلك على ما يبدو شرعنة حكم العبادي ودور إيران في العراق.

ومن المعروف أنّ داعش هو من شكّل جبهة النصرة في سوريا، وحينما بدأت الخلافات تتعاظم بينهما قرّر قادة داعش التقدم نحو سوريا لردّ نفوذ النصرة التي أعلنت ولاءها للقاعدة.

السرعة التي اتّسمت بها عملية سيطرة داعش على مدينة الموصل، وترك الجيش العراقي لمخازن سلاحه مملوءة ومبلغ الـ 450 مليون دولار الذي ترك ليستخدمه التنظيم في تثبيت خلافته وكذلك السلاح الأميركي الجديد الذي تحصّل عليه وغيرهما، كلّها معطيات أثارت استغراب الكاتب الذي ألمح إلى أنها ربما كانت “مقصودة ولم تكن عبثية”.

داعش يتميز بموقعه بين الحركات الجهادية في العالم، وقد شكلت عوامل عديدة مثل خلافه مع الظواهري وانتهاجه العنف المطلق ورفضه للبقاء في العراق وترك سوريا للنصرة، أسباباً إضافياً في ترسيخ القطيعة بينه وبين القاعدة

من جهة أخرى، يتميز داعش بموقعه بين الحركات الجهادية في العالم، وقد شكلت عوامل عديدة مثل خلافه مع الظواهري وانتهاجه العنف المطلق ورفضه للبقاء في العراق وترك سوريا للنصرة، أسباباً إضافياً في ترسيخ القطيعة بينه وبين القاعدة، وقد جاء إعلان الخلافة ليفرض على الظواهري تقديم البيعة للبغدادي، وبالتالي كرّس ذلك واقع الانقسام بينهما، وهو ما دفع فروعاً تابعة للقاعدة في كثير من دول العالم إلى الالتحاق بداعش.

و”يتميز” داعش بأنه أول من “حطّم” الحدود الجغرافية التي شكلتها الدول الاستعمارية، وكانت هذه الخطة حجته ضد الظواهري الذي كان راغبا (أثناء بداية الخلاف بين داعش والقاعدة) في إبقاء داعش في العراق، لكنّ تلك الرغبة لم تجد آذنا صاغية لها وتوجه داعش نحو سوريا.

وقد انضوى كثير من الجهاديين الأجانب في صفوف داعش بعد أن توجّه إلى سوريا، حيث أنه وفي مقابل الصعوبات التي رافقت وصول الجهاديين من قبل إلى أفغانستان وإلى العراق فإنّ وصولهم إلى سوريا كان يتمّ بيُسر وسهولة.

وبالعودة إلى نشأة التنظيم، يولي الكاتب أهمية كبرى للعامل الذاتي في نشوئه، حيث أنه لم يكن تابعا لشخص بعينه أو جهة بعينها، بل يبدو أن التفكير الذي يغلب عليه هو تحقيق نوع من الاستقلالية في إطار “دولته” المزعومة، وهو ما يتجلى من خلال مسارعته بفرضه الضرائب وسيطرته على منابع النفط وعمليات السطو على البنوك وتجارة الأسلحة وما إلى غير ذلك.

جملة من الأسرار التي رافقت نشأة تنظيم داعش، يطرحها الكتاب، هي بعض من جملة تفسيرات تعددت خلاصاتها بحسب منطلقات أصحابها وزوايا نظرهم، تخلص في مجملها إلى أنّ قوة أسطورة داعش إنّما تكمن في قوّة سرها، أو ربما أسرارها.

6