نشأت المصري: عزلة الأدباء والمثقفين تفرغ الحراك الثقافي من المضمون

الشاعر الروائي المصري يؤكد أن الأدباء والمثقفون منفصلون حتى عن العربة الأخيرة، أن المسؤولين على مسرح الطفل تحكمهم الوساطة ومجاملة موظفي وزارة الثقافة.
الخميس 2019/11/21
التعالي الأدبي أفسد المشهد

مثل جيل السبعينات الأدبي في مصر رافدا هاما للساحة الثقافية العربية، حيث كان الحراك متوهجا في محاولة من بعضهم تجاوز التقليد إلى التأصيل ومحاولة آخرين التغير الجذري وآخرين التوفيق وغيرها من الاتجاهات التي كان لكل منها تأثره وتأثيره. “العرب” التقت الشاعر والروائي نشأت المصري، وهو من أبرز وجوه جيل السبعينات في مصر، وكان لنا معه حديث حول الأدب كيف كان وما هو عليه اليوم.

يجمع نشأت المصري بين كتابة الرواية والشعر والمسرح والدراما الإذاعية وأيضا الكتابة للبرامج الإذاعية، يكتب للكبار والأطفال، وقد استطاع منذ انطلاق مسيرته الإبداعية أن يخلص لقضايا مصر والأمة العربية، وأن يجعل من تلك القضايا أحد مشاغله الرئيسية بعيدا عن قضايا التنظير سواء ما تعلق منها بالإبداع أو النقد.

وعلى الرغم من انتمائه إلى جيل السبعينات معاصرا للعديد من الاتجاهات والتيارات التي أشعلت الساحة الأدبية والنقدية وغيرت الكثير من سياقات الكتابة، إلا أنه ظل محافظا ومحتاطا لتجربته التي تعمقت على اختلاف مساراتها بين الرواية والشعر والمسرح لتشكل بناء خاصة في نسيجه الأسلوبي والرؤيوي، وقد تجسد ذلك في ما يقرب من 27 عملا روائيا وقصصيا و30 عملا شعريا ومسرحيتين بالإضافة إلى 6500 حلقة إذاعية.

التعالي الأدبي

بداية وحول المراحل التي قطعتها تجربته مع الكتابة، يذكر نشأت المصري أنه بدأ بالشعر ثم كتب الرواية فالمسرح، ويقول “الشعر بسط أجنحته على إبداعي كله وأرى أنه يضيف إليه فيعمق التعبير، ويلمس جذور المعاني إلا أن تأثير الشعر على المسرح أكبر، لأن المسرح بدأ شعريا وهو يزدهر به”.

ويؤكد المصري أن قضايا الإنسان مع العدل والحرية شغلته في مجمل إبداعه، متابعا “العدل لا يتوفر إلا في مناخ الحرية. وكذلك قضية الانعتاق من عبوديتنا للماضي التي تعطلنا عن الوثوب إلى المستقبل، فليس كل ما نرثه قابلا للتطبيق أو ينبغي تطبيقه. وهذه القضايا متجذرة في الواقع العربي المهزوم والمأزوم معا الآن. وأصبحت تعلة سخيفة ووسيلة الرمز للهروب من ضراوة الواقع، أو اللجوء إلى التاريخ أو الغرق في إسقاطات بدأت تفقد تأثيرها أمام الصور المباشرة الصارخة. نحن نحتاج إلى مثقف يواجه أمراضنا الاجتماعية والسياسية معا”.

الحراك الثقافي ينحصر في مجالين الأول حراك رسمي حكومي مكبل بالشللية والثاني جماهيري خاص يعمل خائفا

ويرى المصري أن مشهد الشعر يدعو إلى الرثاء. ويقول “في زيارة واحدة لبيت الشعر الذي يرأسه حجازي تجد الرد جليا حيث الشعراء يخاطبون أنفسهم فقط، والجمهور في غياب لأسباب بعضها يتعلق بالمدرسة التي تقرر على الطلاب نماذج منفرة من الشعر، والشاعر الذي يلهث مقلدا النصوص الأجنبية أو يوغل في الرمز إرضاء للنقاد، وهذا التعالي الأدبي أفسد المشهد. مع التغافل عن النماذج الجميلة المدهشة التي يقدمها قلة في مقدمتهم الدكتور أمجد ريان، والتي تعتبر نموذجا لما يجب نشره بين الطلاب. أمر آخر مهم هو تقوقع الشعراء في قاعات الندوات وعدم التحامهم بالجمهور. كما أن ما ينشر من شعر من طرف وزارة الثقافة تسيطر عليه شلة من المتحذلقين يضاعفون الهوة بين الشعر والمتلقي، والعجيب أن شعر العامية أيضا ارتدى قبعة وتاه في زحامهم، وكذلك غياب حرية الكلمة يقتلها في مهدها، وبشكل ما فإن الأزمات الاقتصادية الدائمة تجعل الأولوية لرغيف الخبز. إنها مشكلة أمة لم تنهض بعد“.

ويلفت المصري إلى أن حركته مع الشعر تشكل له ضرورة فهو لا يملك طي صفحته، ويضيف “الشعر يغير جلده معي فيتقمصني في صورة مسرحية شعرية أو سرد شعري لقصص من الواقع أو من التراث أو من القصص الديني، كما هو الحال في ‘معجزات الأنبياء‘ للفتيان. وحاليا تستهويني قصيدة التفعيلة وأحيانا قصيدة النثر، وشحنة القصيدة هي التي تختار مسارها. كما أن ما يمكن تسميته بقصيدة الومضة يلح على قلمي وهذا اللون في ظني أقرب إلى روح العصر، لكن هذا لا يلغي أهمية ومكانة النماذج الجديدة الممتازة من القصيدة العمودية. إن ظهور أو غلبة لون من الكتابة لا يعني اختفاء ما عداه بدليل إقبالنا حتى الآن على أشعار كبار شعرائنا القدامى واستمتاعنا بها”.

وحول نشره ثلاث روايات متتابعة هذا العام، يقول المصري “كما يقال في الشعر إن القصيدة تفرض قالبها المفضل لدى من يكتب دون تقيد بإطار مسبق، فإن الرواية رغم تخطيط العديد من فصولها وتفاصيلها قبل البدء تفرض أيضا وسائلها المعبرة، ولهذا فإن تطبيق قواعد غربية مستحدثة على التكنيك قد يكون عائقا أمام القارئ العادي وهو هدفنا الأول وإن صفق له نقاد الحداثة وما بعد الحداثة. وفي ندوة أخيرة سمعت ناقدا كبيرا يحدثنا بما قاله بارت ولم يحدثنا عن تصوره هو، هذه التبعية غير المبررة تؤثر بالسلب على الكتابة ووصولها إلى جمهورها الطبيعي”.

أزمات وحلول

عدم امتصاص وقت الطفل وطاقته يجعله فريسة سائغة لمعطيات التفكير المتطرف
عدم امتصاص وقت الطفل وطاقته يجعله فريسة سائغة لمعطيات التفكير المتطرف

يرى نشأت المصري أن مشهد أدب الطفل مشهد مظهري معظمه يتجلى في المدن، أما القرى التي تضم غالبية السكان فلا تتجه الخدمات الثقافية إليها بشكل كاف. ومكتبات المدارس في القرى تعاني من الإهمال، وحتى على المستوى التنظيمي اختفت حصة المكتبة. وهناك حلول وخطط بسيطة لا تكلف شيئا لكنها تخدم الأمة، وعلى المسؤولين أن يبادروا بتنفيذها إذا كانوا يفقهون، ومن ذلك مثلا إعادة حصة القراءة بنهج جديد حيث يعرض الطفل في كل حصة مضمون كتاب جديد من المكتبة، واقتراح آخر جميل نشره الأديب أحمد الخميسي بأن تستضيف الحصة أديبا يحكي للأطفال عن كتاباته. لكنه يتساءل “هل النظم العربية تتطلع فعلا إلى تعليم وتثقيف الشعب؟”.

ويواصل المصري تساؤله في سياق أدب الطفل عن دور التلفزيون المصري، ويقول “هو من مدة طويلة عاجز عن إنتاج أعمال لافتة للطفل ربما لضعف التمويل. ولا يمكن أن نتغافل عن دور وحجم أداء مسرح الطفل، إنها أعمال تقدم على سبيل العينة لفترات محدودة جدا وفي أماكن أقل محدودية، والمسرح المدرسي يعمل على خجل من أجل المسابقات فحسب، لكن لا يوجد مد مسرحي دائم في المدن والقرى، كما أن المسؤولين على مسرح الطفل تحكمهم الوساطة ومجاملة موظفي وزارة الثقافة من الكتاب بغض النظر عن جودة أعمالهم. إن عدم امتصاص وقت وطاقة الطفل في القراءة والمسرح يجعله فريسة سائغة لمعطيات التفكير المتطرف والإنترنت ومخاطره، ويخلق طبقة من جهلة المثقفين يصبحون طعاما للإعلام الفاسد وتحويلهم إلى عناصر هشة تهدد مستقبل الأمة، ومن البلاء أيضا أن الطفل العربي يتربى على الخوف والتهاون في حقوقه لأسباب منها رد فعل الأب والأم تجاه انتهاكات الآخرين لهم. وللأسف فإن جانبا كبيرا من أدب الطفل يزرع العبودية في نفسه خصوصا هذا النقل الغبي من التراث دون تنقيح”.

ويشير المصري إلى أن الحراك الثقافي ينحصر في مجالين الأول حراك رسمي حكومي والثاني جماهيري خاص، الأول تقليدي يتم بالحد الأدنى من الجودة لأنه مكبل بالمحاذير الرسمية والمصالح والشلليات، والثاني يعمل متوجسا خائفا، ناهيك عن قلة التمويل. ومن واقع تجربته المباشرة يلاحظ محدثنا أن الجوائز عامها وخاصها تعاني من انعدام المعايير، أما الجماعات والجمعيات الأدبية العريقة مثل نادي القصة، فقد انحسر نشاطها رغم جهود القائمين عليها. ونشهد عزوفا للجماهير عن متابعتها بما في ذلك الندوات الأدبية التي أصبحت دوائر مغلقة على الأدباء، وهذه العزلة تفرغ الحراك الثقافي من مضمونه، ومن الأمثلة الصارخة بيت الشعر بالقاهرة الذي لا يحضره أحد وهو أهم نافذة للشعر في القاهرة بالإضافة إلى الدور الضعيف الذي يقوم به المجلس الأعلى للثقافة بلجانه العاجزة.

ويؤكد المصري أن الحراك الثقافي لا ينفصل بحال عن حيوية المجتمع ومدى الحرية فيه، حتى القضايا الكبرى يتخاذل المثقف عن تبنيها مثل شبح العطش القادم. وننتهي إلى المجلات وهي تعاني من انعدام الإقبال عليها عدا مجلات الأطفال المدعومة، وأيضا نحذر من استمرار غياب الخطط العلمية والمعايير، وتخضع الترجمة أيضا لنفس المشكلة، إن غياب الرؤية كما يجب أن تكون وسوء اختيار القيادات الثقافية هما من أهم آفات واقعنا الحالي.

15