نشارة خشب

السبت 2018/01/20

إلى وقت قريب، كانت تستهويني مطالعة الكتب والمصادر التي تتحدث عن وسائل التعذيب المتبعة في العصور الوسطى، وهي المصادر ذاتها التي اعتمدتها بعض الأنظمة الدكتاتورية الحديثة لإضفاء لمسة لاذعة إلى طرقها الهمجية في قمع الإنسان الأعزل.

لم يكن لي دافع محدد سوى الفضول، لكن هذا الفضول قادني إلى ممرات حالكة وسراديب مظلمة أفصحت عن وجه قبيح ينز قيحا؛ ذلك هو وجه الإنسان الذي يتمكن منه الحقد والقسوة ليمارس سلطته على كائن أعزل يشبهه في الملامح ويتقاطع معه في الدور أوالفكرة والمعتقد.

على ما أذكر، فإن أحد أكثر المشاهد بشاعة التي علقت بذاكرتي طويلا، كانت تصوّر قصة جلاد اتخذ من ساحة السجن الخلفية مكانا لممارسة ساديته على السجناء أثناء قضاء أمسيات مملة يمرّ فيها الوقت ببطء شديد، وقته هو طبعا.

في إحدى المناسبات وبينما كان يستمتع بتناول شرابه المفضل برعاية ضوء القمر الخافت، ربط السجّان إحدى الضحايا على سطح معدني أشبه بسرير وأشعل نارا هادئة تحته وهو يراقب مشهد الموت البطيء؛ يتمعن في تقلصات جسد السجين المعذّب وينصت لصرخاته التي كادت تلامس صفحة السماء.

لكن صرخات السجين قليل الحيلة كانت تتعالى، كلما مرّ الوقت، حتى تحولت إلى هدير مدو ملأ الأرض والسماء والهواء من حوله. انزعج الجلاد قليلا، حينها عمد إلى إسكات الصوت المزعج بوضع قبضة من نشارة الخشب في فم السجين، وهكذا تبدّل الصراخ إلى أنين وحشرجات مكتومة لتتحول حفلة الموت البطيء إلى مشهد صامت تدريجيا، ثم تباعدت انتفاضات جسد الضحية مع مرور الوقت، حتى سكن كل شيء!

ترى، هل كان عذاب الضحية سيخف لو سُمح له بالصراخ قليلا؟ وهل كان كتم أنفاسه بتلك الطريقة سببا آخر لمضاعفة زمن موته؟

من دون وعي، يفعل بعض الناس بأنفسهم كما فعل السجّان الحقير بضحيته؛ يضعون نشارة خشب في أفواههم أو أرواحهم ليكتموا صرخات ألم جسدي وربما نفسي. كانت إحدى زميلاتي في المدرسة الابتدائية تكتم ألمها كلما طالتنا عقوبة جماعية، بعد أن تترك المعلّمة على أصابعنا آثارا موجعة بعصاها الغليظة لسبب تافه.

وحين تتبعثر الدموع على ملامحنا وتبح أصواتنا بالبكاء احتجاجا على الظلم، تكتفي زميلتي بمغالبة دموعها لسبب مجهول، وهي تقف بكبرياء وتراقب المشهد البكائي من عليائها وكأنها تسكن في كوكب آخر، كوكب إنساني لا تضرب فيه المعلمات الشريرات تلميذات بعمر الورد.

كانت الفتاة تصّر على التظاهر بالقوة والجلد حتى في ساحة اللعب، فحين تسقط أثناء لعبة الطوق وتجرح ركبتيها فإنها سرعان ما تنفض عن ملابسها الغبار وتتظاهر بعدم الاكتراث، لتكمل لعبها في ما بعد وكأن شيئا لم يكن، لكن احمرار وجهها ألما أو غضبا هو ما كان يخبرنا حينها عن الثورة التي كانت تضطرم في داخلها. فلماذا كانت يا ترى تهوى تعذيب نفسها بهذه الصورة؟

يحدث هذا أحيانا، حين يباغتنا ألم نفسي كبير بسبب خسارة عظيمة؛ تنهار دفاعاتنا، تبكي قلوبنا، بينما نكتفي بالوقوف بعيدا بغير اكتراث، من هناك، نراقب أرواحنا وهي تذوي وندّعي بأننا ما زلنا بخير. في كل مرة، يحلو لنا أن نكتم حسرتنا بقبضة من نشارة خشب مصنوعة من صمت وكبرياء.

لكن، حين يأتي اليوم الذي تفضحنا فيه ملامحنا، سندرك بأن صرخات الألم النفسي التي كتمناها طويلا ستعلو بمرور الأيام كما تنكشف الجروح الغائرة التي حجبناها بقطعة قماش شفيفة، مثل فم بركان طال خموله.

كاتبة عراقية

21