"نشاز" بحريني ينسف المفاهيم المعتادة للفن

ضمن مهرجان البحرين الدولي السادس والعشرين للموسيقى، ينتظم هذه الأيام المعرض الفني "نشاز" بالمنامة استكمالا لمشروع هيئة البحرين للثقافة والآثار التي تنوع أنشطتها الثقافية في هذا الموسم بين الموسيقى والغناء والفنون البصرية والأدائية.
الأربعاء 2017/10/18
اعترافات فنية

تتواصل فعاليات معرض “نشاز” الفني للفنانين البحرينيين علي حسين وميسم الناصر ومحمد حداد ومريم النعيمي وأحمد الكوهجي في صالة مركز الفنون بالمنامة حتى 31 أكتوبر.

بعد تجربتي “إيقاع مجرد” 2015، و”تواز” 2016 يأتي هذا العام مشروع “نشاز” للخماسي البحريني الفني محاولين الخروج من حدود البرواز التقليدي للوحة إلى فضاءات فنية أكثر اتساعا تحاور أسئلتهم ورؤاهم التي يفتحون بواباتها للمتلقي على شكل أعمال مفاهيمية حاولت أن تتخذ من مفردة “نشاز” سقفا لتصوراتهم المؤداة في فضاء المعرض.

قدّم الفنانون ستة أعمال مفاهيمية تدور حول مفهوم النشاز في المجتمعات باختلاف مستوياتها وثقافتها وتجربتها، واضعين في مدخل المعرض جدارية أشبه بدليل استرشادي تقود المتلقين للعتبة النصية المسؤولة عن رؤيتهم للمشروع. فعلى الرغم من أن النشاز قد يسبب حالة من عدم الارتياح إلا أنه، حسب تعبيرهم، يساعد في خلق جو من التوتر والحيوية في التراكيب. وبهذا وجد الفنانون أنفسهم في مظلة تعكس فلسفة النشاز في المجتمعات المختلفة من خلال المواقف التي غالبا لا يلقي أحد لها اعتباراً في الحياة اليومية.

قدّم الفنان علي حسين عملين مفاهيميين تدور فكرتهما حول “النشاز”، فقدم في عمله الأول “وسواس” سجادة صلاة وعليها سماعات كاتمة للصوت معلّقا على ذلك بالقول “للذين يتركون آذانهم ويمشون”. وفي عمله الثاني”عرف” الذي توسط المركز وضع جدارا يقسم العالم إلى ضفتين، ضفة من عشب وأخرى من حجارة معلّقة مرسومة عليها عيون، جاعلا من العيون المراقبة عنصرا جوهريا في تفكيكه للأعراف باعتبارها نشازا.

ويقول علي حسين عن التجربة “أن يكون هنالك عرف لا يعني أن هناك حاجة ماسة قبله، هناك اعتياد، واستمرارية، وهناك من وضعها قاعدة سلوكية ومشى عليها دون أن يفرضها على أحد، وهناك من يفرض تلك القواعد على المجتمع ويجعلها من المسلمات الحياتية والدينية وقد تتحول إلى ظواهر. وحين تكون ظاهرة يعني أن هناك مقاومة مضادة لتلك الظاهرة، فالناس تحارب غالبا ما لم تعتد عليه وتعاديه. وعلى كل حال بات علينا تخريب هذا الطريق، وشق طريق جديد”.

وتقدم مريم النعيمي تسع صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود، مطلقة عليها عنوان “مشيئة التشكّل”، ومعلقة تحتها بجمل ذات تاريخ زمني محدد في مضامين منفصلة عن بعضها لتكشف عن مدى النشاز والانتظام في تشكيل الفرد بناء على الزمن والنظرة ومدى اعتياد المتلقي عليها من منظوره وزاويته، فكانت مثل اعترافات واقعية لما أطلق عليها نشازا.

وتقول النعيمي “هناك محاولة مستمرة في تشكيل الفرد، وأيضاً محاولات مستمرة للخروج عن هذا التشكيل أو الرجوع للجوهر. والحقيقة المطلقة هي أن كل واحد منا نشاز إما في محيطه أو خارجه. مهما بلغ أحدنا من اندماج ومواكبة السائد فهو سيظل حتما نشازا في نظر أحد أو جماعة ما. وما قد نراه نشازا هو أمر طبيعي جدا في محيط آخر والعكس صحيح”.

وفي فكرة مفاهيمية مبتكرة قدم محمد حداد عمل “بتر” الذي يجسد نظرته للنشاز على شكل مبنى رباعي يمثّل دورة للمياه، غير أنه في الواقع ما هو إلا زاوية للعزلة والتأمل والاختباء في منطقة حقيقة الحاجة والاحتياج رغم مدى خصوصيتها في حياة الفرد. يقول حداد “أن تنسى كيف هو شكل البكاء لفرط التهكم والانتقاد هذا ليس انسجاما، أن تخفي دموعك كي تدوزن رجولتك هذا هو النشاز”.

واختارت ميسم الناصر لعملها اسم “غير جاهز” لتقدم من خلاله رؤيتها لمفهوم النشاز عبر نافذة مهدمة مخلوعة الستائر، في صورة وحشية لا تخلو من الدمار النفسي والمكاني، وذلك ضمن افتراضها بأن النافذة ما هي إلا فلسفة لسنا مستعدين لفهمها بعد، فالنافذة -بحسب الناصر- تعبّر عن رغبة في الانفتاح على شيء مختلف، جسديا وميتافيزيقيا، في التفاعل وربط العلاقات. إنها أكثر من مجرد فتحة جدار.

وفي مقابل هذه الأعمال جاءت تجربة “امتثال” لأحمد الكوهجي على شكل فيلمين تلفزيونيين قصيرين جدا، يتكرر عرضهما طوال الوقت، اشتمل الفيلم الأول على مجموعة مشاهدين يجلسون فوق منصة العرض بتقاسيم وجوه محايدة، بينما جاء الفيلم الآخر شارحا لحالات المتلقين في الفيلم الأول على شكل سولو منفرد، معبرا عن مدى انتهاك المجتمع لحق المرء في التفرد بتجربة الحياة وذلك بزجه في دوامة الإمعية واللحن الواحد.

15