"نشاط إشعاعي" فيلم يمزج الوثائقي بالدرامي

سيرة العالمة ماري كوري من الهجرة والاغتراب إلى الاكتشافات وجوائز نوبل.
الجمعة 2020/05/15
فيزيائية أربكت العالم، لكن الحياة قست عليها

عليك أن تطلق فضولك باتجاه الأفكار لا باتجاه الأشخاص وأن تعيش متعة لا تضاهى هي متعة الغوص في بحار العلوم. تلك هي كلمات ماري كوري يوم كانت تبحر وحدها في قارب تتقاذفه الأمواج، امرأة يطْبق عليها المجتمع من جميع الجهات ويخنق حركتها وحرّيّتها لمجرد كونها امرأة ومن ثم تنشد العلم، فتلك مشكلة بلا حل في تلك الأزمنة.

لندن – تهاجر الفتاة البولندية النحيفة ماري كوري في فيلم “نشاط إشعاعي” (تؤدي الدور الممثلة روزاموند بايك) إلى فرنسا وتؤسّس عالمها هناك ابتداءً من عام 1891، عندما وصلت إلى باريس صحبة شقيقتها برونيا لتنطلق رحلة الإنجاز والنجاحات والأحزان والحياة العائلية في آن واحد.

وما بين تربّعها على عرش العلم وبين استرجاعها لتاريخها سوف تبدأ مشاهد هذا الفيلم للمخرجة الفرنسية من أصل إيراني مرجان سترابي، وحيث تنهار ماري كوري العملاقة بعد أن نهش الإشعاع الذري صحتها، وهي التي كانت تعمل ليل نهار دون أن تعلم الضرر الفادح للإشعاعات على الجسم البشري.

ها هي المرأة التي قلبت موازين العلم رأسا على عقب ولا تزال اكتشافاتها وأبحاثها شديدة التأثير في حياتنا الحاضرة، تنشد طريقا ما للعلم فلا تجد سوى فقر مدقع ومجتمع شديد القسوة.

لم تكن تلك الفتاة على الرغم من ذكائها وتفوّقها السريع لتستطيع وحدها مواجهة ذلك السياج العالي من السيطرة الذكورية المطلقة، وغرور العلماء بأنّ ما توصّلوا إليه هو قمة العلم ونهاياته.

امرأة تائهة

عالمة سيئة السمعة
عالمة سيئة السمعة

باريس بشوارعها شبه المعتمة في الشتاء وليس سوى أصوات العربات التي تجرّها الخيول وفتاة شبه تائهة تبحث عن ملاذ؛ الأنوثة الصامتة وهي تخوض في معترك لا حدود له والصعوبات والتحدّيات من حولها تزيد وتتضخّم.

أسلوب العودة إلى الماضي هو الذي اتّخذته المخرجة في قراءتها الصورية لسيرة حياة الفتاة البولندية  ماري سكلودوسكا، المعروفة باسم ماري كوري، والتي كتبها المسرحي والمؤلف والناقد البريطاني جاك ثرون، وها نحن مع آخر مراحل حياة ماري وهي تسترجع كل ماضيها.

في عتمة الزمن سوف تلتقي العالم الفرنسي بيير كوري ليتشاركا الاهتمامات والتخصّص العلمي والطموح الكبير. لكنها تخبره وقد ارتبطا بعلاقة حب عاصفة قائلة “إنني امرأة أنانية ولست بمواصفات

الزوجة التي تبحث عنها”. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى بيير (الممثل سام ريلي) إذ لا وقت لمثل ذلك الاستدراك فعجلة العلم تدور والمنافسة تشتدّ ولا بد من الإنجاز، ولهذا يقترنان ويمضيان في تجاربهما.

أطنان من المواد الخام من الفحم والصخور تتولى ماري وزوجها طحنها بتلك الوسائل التقليدية التي كانت سائدة في عصرهما، وفي وسط تشكّك علماء كبار بما يقومان به، تنتهي بهما إلى اكتشافين خطيرين قلبا علوم الكيمياء والذرة رأسا على عقب، إذ عملا على مشروعين منفصلين. وكانت ماري مُعجبة بأبحاث عالم الفيزياء الفرنسي هنري بيكريل الذي كان قد اكتشف أن اليورانيوم هو عنصر تنبعث منه إشعاعات أضعف من تلك المنبعثة من الأشعة السينية.

واستكمالا لما اكتشفه بيكريل قامت ماري بعدة أبحاث على الأشعة المنبعثة من اليورانيوم، واكتشفت أن الأشعة المنبعثة تبقى ثابتة بغض النظر عن شكل الذرة، ووضعت فرضية مفادُها أن الأشعة تنبعث من البنية الذرية للعنصر نفسه وليس من تفاعل حاصل بين الذرات.

وأسّست هذه النظرية المجال المعروف بِـ”الفيزياء الذرية”، وابتكرت ماري مصطلحا جديدا هو “النشاط الإشعاعي” يصف ظاهرة الإشعاع الناجم عن الذرة. وكل هذه الأجواء المحتشدة بالعمل المضني كان لا بد لها أن تتوّج بإنجاز عظيم.

من الإنجاز إلى نوبل

بين شك الحب ويقين العلم
بين شك الحب ويقين العلم

بجهودهما البحثية المضنية اكتشف الزوجان كوري في عام 1898 عنصرا مشعا جديدا أسمياه “البولونيوم” نسبة إلى بولندا التي هي الموطن الأصلي لماري، كما اكتشفا مادة أُخرى مُشعّة وذلك من خلال دراستهما لمعدن مليء بالعناصر المشعة وأطلقا على هذه المادة اسم “الراديوم”.

وهذه المعطيات الكبرى أدارت الرؤوس نحو الزوجين النابغين، وفي أجواء بالغة الصعوبة والتعقيد يتم نقل يوميات العمل المضني في معالجة تقترب إلى حد كبير من شكل الفيلم الوثائقي، لاسيما وأن هذا الفيلم ليس الفيلم الأول عن حياة السيدة كوري، إذ سبق أن تم إنتاج عدة أفلام عن حياتها وكفاحها ومنجزها. وسنتوقف في هذه الورقة عند البناء الدرامي والمعالجة الفيلمية المرتبطة بحياة الشخصيتين.

العودة إلى الماضي أسلوب اتّخذته المخرجة الفرنسية في قراءتها الصورية لسيرة حياة الفتاة البولندية  المعروفة باسم ماري كوري
العودة إلى الماضي أسلوب اتّخذته المخرجة الفرنسية في قراءتها الصورية لسيرة حياة الفتاة البولندية  المعروفة باسم ماري كوري

تقدّم المخرجة مرجان سترابي شخصية “مدام” كوري على أنها شخصية محافظة وفي نفس الوقت واثقة من نفسها وكثيرة الاعتداد بعلمها، فيما كان بيير متسامحا ومستوعبا لطموحات الزوجة، وهو ما سوف يتجسّم لاحقا عندما يتم الإعلان عن ترشح الزوجين لجائزة نوبل.

ويعجّ الفيلم بوقفات دالة على سطوة المجتمع الذكوري، وهو ما يتّضح من خلال المجالس العلمية للجامعات التي لا تضم أية امرأة، وعلى هذا يكون ترشح مدام كوري لجائزة نوبل حدثا استثنائيا بوصفها أول امرأة تنال ذلك التكريم العالمي في عام 1903.

ومع ذلك الفوز اللامع سوف تستيقظ في نفس السيدة كوري مشاعر التمييز، إذ لماذا يذهب زوجها وحده إلى ستوكهولم لتسلّم الجائزة ويترك زوجته وراءه؟ وهو أمر آلم السيدة/ العالمة كثيرا ووقفت محتجة في وجه الزوج الذي لم يعش بعدها كثيرا ليموت في حادث ويترك ماري وحدها مع فتاتين صغيرتين. وهذه المحطات الأساسية في حياة ماري كوري والتي ترتبط بمرحلة من حياة زوجها ما تلبث أن تليها صفحات أخرى من المكابدات والعناء.

ما أسّسه الزوج قبيل رحيله هو الثقل الذي بني عليه السرد الفيلمي من خلال الأحداث المتتابعة، فهناك تحوّلات تلفت النظر في ما يتعلق بماري التي وجدت نفسها تؤدي عدة أدوار، فهي الحبيبة والزوجة والعالمة في آن واحد. ولكنها لتفادي التصادم مع مجتمع ذكوري صارم تؤدّي دور الزوجة الحريصة على حياتها الزوجية حتى وفاة زوجها، وساعتها تتغيّر الأحوال.

صور مخبّأة

الممثلة البريطانية روزاموند بايك أجادت تأدية دور الفتاة البولندية النحيفة ماري كوري، في جل مراحل حياتها المهنية والعاطفية
الممثلة البريطانية روزاموند بايك أجادت تأدية دور الفتاة البولندية النحيفة ماري كوري، في جل مراحل حياتها المهنية والعاطفية

تعيش ماري حياة خاصة محافظة بعد موت زوجها لتشعر مرة أخرى، كما هي حالها يوم كانت شابة مسالمة ووحيدة، بالعزلة؛ لا تجد من تستند إليه حتى تتغيّر نظرتها نحو بول لانجيفين (الممثل أنورين برنارد) الذي كان أحد تلاميذ زوجها ولترتبط معه بعلاقة حب سوف تغيّر مسار حياتها.

التحوّل الدرامي يكمن في اكتشاف زوجة بول تلك العلاقة السرية، وعلى الرغم من أنها تتصدّى لماري وتحذّرها من المضي في تلك العلاقة، إلاّ أنها سوف تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، باتجاه الانتقام.

لا يوجد تمهيد كاف لذلك التحوّل الحاد في مسار أحداث الفيلم وفي حياة ماري، لجهة تمكن زوجة بول من تسليط مخبر سري يتمكّن من العثور على مراسلات غرامية بين بول وماري تتضمن موضوعات حميمية.

ومن هناك، سيصاب المجتمع الفرنسي المحافظ بالصدمة والذهول مع انتشار قصة غراميات ماري في الصحافة الفرنسية، ممّا يؤلب عليها الرأي العام الفرنسي.

وفي مشاهد موجعة وشديدة التأثير يتجمّع فرنسيون أمام منزل ماري لشتمها ونعتها بأبشع الأوصاف، ويدعونها بوصفها بولندية إلى العودة إلى بلادها ويقولون لها إن المجتمع الفرنسي لا يمكنه أن يتقبّل الساقطات.

هذا الصراع النفسي الحاد أرخى بظلاله على شخصية ماري بين كونها عالمة مرموقة وصلت إلى أعلى مراتب العلم ثم نيلها جائزة نوبل ثانية في الكيمياء، وبين مجتمع يحتقرها ويتدخل في حياتها الخاصة.

إنجازات في الميدان

أي شبه بين الممثلة روزاموند بايك والعالمة الفيزيائية ماري كوري
أي شبه بين الممثلة روزاموند بايك والعالمة الفيزيائية ماري كوري

حرصت المخرجة مرجان سترابي على الزجّ بالعديد من المشاهد الوثائقية وغير الوثائقية التي لم يكن قسم كبير منها ضروريا. ومن ذلك الانتقال من إنجازات الثنائي كوري العلمية المتطوّرة إلى الحروب والصراعات وإلقاء القنابل، وصولا إلى إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي في اليابان في عام 1945، على أساس أن الإشعاعات الذرية التي عملت عليها “مدام” كوري هي التي آذت البشرية مثل الدواء وآثاره الجانبية.

ومن جهة أخرى هنالك مشاهد خاصة بحادثة تشيرنوبل في عام 1986، ومراحل انتشار الإشعاعات وما أوقعته من مآسٍ في أوساط العاملين في تلك المنشأة.

ولعل هذه الإضافات الوثائقية إن أُريد بها إدانة استخدام نتائج العلم لإيذاء البشرية فقد بدت مباشرة تماما، ولم تكن مرتبطة بصميم ما قامت به ماري كوري وأنجزته، وقد بدا أن تلك المشاهد ليست إضافة جوهرية بقدر كونها تعليقا على الأحداث. وخلال ذلك لم ينقطع استخدام مشاهد العودة إلى الماضي، بما في ذلك تذكّر موت أم ماري بعد إصابتها بمرض السل وعجز الابنة عن فعل شيء من أجلها.

ولعلّ من المشاهد المؤثرة أيضا ذلك المشهد الذي تذهب فيه ماري لتسلم جازة نوبل الثانية، فتفاجأ بأن لا أحد من الشخصيات المرموقة التي جاءت إلى مقر الأكاديمية السويدية يرحّب بها، على الرغم من إنجازها وسمعتها التي انتشرت في كل مكان. لكنّ بضع نساء هنّ اللاتي يجعلن الجميع يصفّق لها.

وفي موازاة ذلك كانت حياتها الجديدة ما بعد الفضيحة التي نشرتها الصحف وجائزتي نوبل، قد قوبلت بطريقة أخرى في أوساط العلماء، إذ بدا أنه لا بد من التسليم بتلك الكفاءة العظيمة، ولهذا يكون اجتماعها بعلماء السوربون ملفتا للنظر ومن ثم يتم إعطاؤها كرسيّا للتدريس الجامعي.

لا شك أن أفلام السيرة الذاتية التي أُنتج منها الكثير عبر تاريخ السينما هي من الأنواع السينمائية التي يجد صانعوها أنفسهم في مواجهة إشكالية الموضوعية والحفاظ على مراحل حياة الشخصية، ممّا يقرّب العمل أكثر إلى الجانب الوثائقي. بينما يتطلب الفيلم الروائي الكثير من الصراعات والتحوّلات والاستثمار في الشخصيات وإيجاد خطوط في السرد قد لا تكون بنفس ما هي عليه في حياة الشخصية، وإنما بتدخل في معالجة الأحداث والمتغيرات، وهو ما اشتغلت عليه المخرجة مرجان سترابي لتقديم مزيج ممّا هو وثائقي ومباشر وما هو درامي مرتبط بأحداث مهمة مرّت بها الشخصيات.

16