نشاط استثنائي للدبلوماسية الفرنسية في منطقة الخليج

على عكس الدبلوماسية الأميركية المترددة حيال حقول الألغام المتفجرة في الشرق الأوسط، اختارت الدبلوماسية الفرنسية الانخراط في مشهدية المنطقة العربية والتضامن الكامل مع المقاربة الخليجية للملفات الحارقة من سوريا إلى اليمن ومن العراق إلى النووي الإيراني.
الأربعاء 2015/05/20
فرنسا تكتسب مكانة هامة من قبل السياسة الخارجية الخليجية

فرانسوا هولاند، هو فرانسوا الثالث كما لقّبته صحيفة “لوموند” الفرنسية في مسلكيّة الاقتراب المدروس والحذر من العواصم العربية والإسلامية، بعد فرنسوا الأول الذي وقّع اتفاقية تفاهم مع السلطان التركي سليمان القانوني، وبعد فرانسوا متيران الذي اختار الرياض محطة أولى لزياراته الشرق أوسطية.

وهولاند هو أيضا “فرانسوا” الأوّل من حيث حصوله على السبق من بين كافة الرؤساء الفرنسيين في حضور القمة الخليجية؛ حيث شارك مستهل مايو الجاري في خضم “المطبخ الداخلي” الخليجي وتقاسم مع قادة الخليج الهموم والتوجسات والمقاربات والآراء فيما يخص قضايا المنطقة العربية.

ومع هذا كلّه، فهو أيضا، فرانسوا الأوّل الذي تمكّن من تسويق “صفقات” عسكرية بعدة مليارات من اليوروهات لثلاث عواصم خليجية كبرى، وهي الرياض وأبوظبي والدوحة، التي أقنعها هولاند باقتناء مقاتلات “الرافال” ّ؛ وهي اتفاقيات قد تخرج لا فقط الرئيس الاشتراكي من الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها باريس والعجز عن تحقيق نسب النمو اللازمة وفي ظلّ تفاقم البطالة، حيث أكد وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان بأن صفقات السلاح قد تتيح ما يصل إلى 30 ألف وظيفة؛ وإنما ستفتح أيضا صفحة جديدة من صفحات التلازمية السياسية والعسكرية بين فرنسا ودول الخليج.

3 خطوات مربكة

يبدو أنّ “التلازمية” بين فرنسا ودول الخليج وجدت في “الإمبراطورية الأميركية” المنسحبة بهدوء من الشرق الأوسط، بنية تحتية للتأصيل والبناء،حيث أنّ حالة من الفتور الدبلوماسي والسياسي أصابت العلاقة الخليجية الأميركية، التي تبقى استراتيجية وعميقة على الرغم من البرود الحالي، بعد أن أقدمت واشنطن على 3 خطوات أربكت “التحالف الأميركي الخليجي”.

صفقات السلاح تفتح صفحة جديدة من صفحات التلازمية السياسية والعسكرية بين فرنسا ودول الخليج

الخطوة الأولى تمثلت في إحجام واشنطن على توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا بعد حادثة “كيمياوي الغوطة” إذ أنّ العواصم الخليجية حزمت أمرها للانخراط في الجهد العسكري الأميركي ضدّ دمشق وعبأت كافة قدراتها وأعلنت الاستنفار لدى فصائل المعارضة السورية المؤيدة لها، استعدادا لساعة “صفر” محددة ومتفق عليها. بيد أنّ البيت الأبيض فضل العدول عن “الخيار العسكري” بعد تململ سياسي واضطراب في الرأي بين الصقور والحمائم في البيت الأبيض والكونغرس ومجلس النواب، وعلى العكس من “التلكؤ” الأميركي كانت باريس تحضّر لما “بعد الأسد” و”تهندس″ للمرحلة الانتقالية في سوريا.

وتجسدت الخطوة الثانية في إتمام اتفاق نووي مع إيران، كانت واشنطن خلاله المسوّق والمبشّر لا فقط لإبرام اتفاق ينهي “الأزمة النووية” وإنما -وهذا هو اللافت- لـ”المصالحة” التاريخية مع النظام الإيراني دون إجباره على “انسحاب” سياسي وعسكري “آمن” من سوريا إلى العراق ومن لبنان إلى اليمن، ودون نسيان البحرين التي اكتوت بنار “التدخلات” الإيرانية السافرة. وعلى الطرف النقيض كانت باريس تمثّل “الخطّ” الراديكالي في الاتفاق النووي.

أمّا الخطوة الثالثة فتمثلت في غياب التأييد المنتظر من حليف بحجم واشنطن من عملية “عاصفة الحزم” ضدّ جماعة أنصار الله في اليمن، ودعوتها الدائمة إلى العودة إلى الحوار الوطني الشامل في حين أنّ باريس قدمت ولا تزال الدعم اللوجستي الكامل للتحرك العربي الخليجي ضدّ ميليشيات الحوثيين، وتنبي مقاربتها وفق نصوص “المبادرة الخليجية” للانتقال السلمي في اليمن، وهو ما تجسّد في الدعم الفرنسي الكامل لمشروع القرار الخليجي تحت الفصل السابع في مجلس الأمن رقم 2216.

تقارب واشنطن مع طهران وتساهلها تجاه ملفها النووي وتجاوزاتها في المنطقة أربك "التحالف الأميركي الخليجي"

تعكس هذه الخطوات الأميركية الثلاث “انزياحا” نسبيا عن التحالف الاستراتيجي والتضامن التاريخي بين أميركا والخليج، زادت من حدّته تصريحات أوباما بأنّ التحديات الحقيقية التي تواجه العواصم الخليجية لا تمكن في طهران، وإنما في الشباب وطموحاته السياسية والثقافية -وفق مقاربته-، وهي تصريحات شكلت في الذهنية الخليجية خروجا عن السياق بما تحمله من قفز على حقائق احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث ورفضها مجرد التحكيم الدولي في الصدّد، إضافة إلى التدخل في الشؤون البحرينية واليمنية وحتى السعودية.

انخراط فرنسي

في خضم الخروج الأميركي عن السياق التاريخي، دخلت باريس بكامل وزنها الدبلوماسي والسياسي في المشهديّة الشرق أوسطية معتمدة على تراث “ديغولي وشيراكي” في التقارب مع العواصم العربية والإسلاميّة، والخليجية منها بصفة أدقّ.

وتماهت باريس مع المنطق الخليجي في المنطقة، حيث زادت مؤخرا من دعمها العسكري للمعارضة السورية إضافة إلى تدريبها لفصائل المعارضة السورية في مخيمات عسكرية في تركيا والأردن، مع تأييدها لسقوط حكومة نوري المالكي –وهو المطلب الرئيس لعواصم الخليج- في العراق وتعويضها بحكومة وطنية موحدة قادرة على حماية العراق من خطر “داعش”، دون نسيان إرسالها لحاملة الطائرات “شارل ديغول” في 13 يناير 2015 للمشاركة في الحرب على تنظيم داعش وتعزيزا لمساهمات طائراتها “الرافال” و”الميراج” في الحرب على الإرهاب في سوريا والعراق، دون أن يعني هذا الأمر تنسيقا مع طهران في العراق أو تعاونا مع سوريا.

وفي الوقت الذي كانت فيه أيادي قائد الدبلوماسية الأميركية جون كيري ممتدة للنظام السوري، معتبرا إياه جزءا من الحلّ السياسي في البلاد، كانت باريس ومعها عواصم الخليج متمسكة بشرط إسقـاط النظام السوري أو رأسه على الأقل قبل الوصول إلى الحل السياسي، بل تؤكد مصادر إعلامية وسياسية مطلعة في باريس أنّ الإيليزيه اتصل بقرطاج ليوصل رسالة “فرنسية خليجية” إلى الرئيس التونسي الباجي القايد السبسي بضرورة إيقاف دعوة وزير الخارجية الطيب البكــوش إلى سوريا بإيفــاد سفيرهــا إلى تونـس قصد استئناف العلاقات.

الخليجيون يدركون أنّ واقع "البطة العرجاء" الذي يعرفه أوباما اليوم، مطوق من معارضة جمهورية كبيرة يجعله دون صلاحيات سياسية واسعة لإبرام اتفاق تاريخي مع إيران

ولكل ما سبق، ترى القراءات السياسية أنّ صفقات “الرافال” هي في الحقيقة “مكافأة” خليجية جزاء لمواقف باريس وتفهمها للمقاربات الخليجية، حيث أنّ المصانع العسكرية الخليجية تزخر بالمقاتلات الأميركية المتطورة والقادرة على ملاحقة الجماعات التكفيرية وعلى تأمين الحماية الجويّة لكلّ جهد عسكري بري، كما أنّ عواصم عربية وخليجية (الإمارات والمغرب ) سبق-خلال ولاية نيكولا ساركوزي في 2010 - وأن أبدت تحفظها العلني من القدرة الهجومية والدفاعية لمقاتلات “الرافال” مفضلة المقاتلات الأميركية عليها، الأمر الذي يشير إلى أن سياقا استراتيجيا تغيّر وغيّر معه المواقف الخليجية.

وعلى الرغم من صفة “الامتياز” الذي أفرد بها هولاند خلال رحلاته لعواصم الخليج، إلا أنّ هذا لا يعني الانعتاق من “التحالف” الأميركي أو إدارة الظهر إلى “العم سام” الحليف التاريخي للخليج، ذلك أنّ اعتقادا راسخا توطّن في العقل الخليجي بأنّ أوباما ومعه الديمقراطيين يعيشون آخر فصول الحكم، وأنّ الحكم سيؤول في 2016 إلى الحزب الجمهوري الذي يتقاطع معه الخليجيون في الكثير من المواقف والآراء.

يدرك الخليجيون أيضا أنّ واقع “البطة العرجاء” الذي يعرفه أوباما اليوم، مطوق من معارضة جمهورية كبيرة يجعله دون صلاحيات سياسية واسعة لإبرام اتفاق تاريخي مع إيران وأنّ سياسة أوباما خلال السنوات الأخيرة ستكون منكفئة على نفسها أكثر منها مندفعة نحو اتفاقات تاريخية.

لذا، لا يتوجس الخليج كثيرا من أوباما “ضعيف الشخصية”، ولا يعوّلون كثيرا على “فرانسوا الثالث”، ولا يستبدلون أيضا “الحليف التاريخي الثابت” بـ”حليف أوروبيّ متغيّر”، هم فقط يراهنون على “الوقت” وعلى “الزمن”… وعلى 2016.

7