نشاط مريب لمذاهب دينية تهدد الوحدة الاجتماعية في الجزائر

بدأت تظهر في السنوات الأخيرة بالجزائر مذاهب وتيارات دينية، لم تكن متأصّلة داخل المجتمع، ولا ضمن نسيجه المتميز بالاعتدال والوسطية، ويعزو المحللون ذلك إلى أسباب خارجية متداخلة تتعلق بأجندات سياسية أصبحت ترنو إلى التسرب إلى الفضاء الجزائري، وأخرى داخلية تضافر فيها ضعف الخطاب الديني التقليدي داخل المساجد، مع إدارة النظام ظهره لما يناط بعهدته من واجبات في هذا الصدد.
الأربعاء 2016/10/05
ضعف أداء خطاب المساجد يدفع الجزائريين نحو بدائل تهدد وحدتهم

الجزائر- بات تغلغل مختلف التيارات والأفكار الدينية في الجزائر، مصدر قلق حقيقيا يهدّد وحدة ووسطية النهج الذي تتبناه منذ قرون، وينذر بزرع بذور الطائفية والمذهبية الدينية والجهوية. فبعد تمدّد التشيّع في عدد من المحافظات والمدن، وجدت الطائفة الأحمدية أنصارا لها في وسط وشرق البلاد، الأمر الذي يفتح المجال أمام إمكانية تسلل طوائف ومذاهب أخرى، خاصة في ظل هشاشة خطوط المناعة الدفاعية، وضعف البناء الفكري والديني للكثير من الفئات الاجتماعية.

في هذا الصدد يشار إلى الأمن الجزائري أوقف بمحافظة سكيكدة (300 كلم شرقي العاصمة)، عشرين شخصا من أتباع الطائفة الأحمدية، لمّا كانوا يهمّون بأداء صلاة الجمعة، في أحد مقارّهم ببلدة صالح بوالشعور، وتمّت إحالتهم على التحقيق، لمعرفة ملابسات وظروف تشكل الخلية، وامتداداتها الداخلية وولاءاتها الخارجية.

وذكر بيان الأمن الجزائري، بأن العملية جاءت في أعقاب مرحلة التحقيق والتحرّي، إثر توصل المصالح الأمنية بمعلومات وبلاغات حول تحركات مشبوهة لعدد من الأفراد في المنطقة، وظهور ممارسات وطقوس دينية غريبة عليهم، لفتت انتباه السكان، وقد تم التوصل إلى أن المجموعة تنحدر من عدة مناطق في المحافظة، وهي إحدى الخلايا التي نشأت في الجزائر.

وتعدّ هذه الخلية الثانية من نوعها لأنصار التيار الأحمدي، حيث سبق للأمن الجزائري، أن فكك في شهر يونيو الماضي خلية مماثلة، تتشكل من تسعة عناصر في بلدة الأربعاء بمحافظة البليدة (50 كلم جنوبي العاصمة)، وتمّت إحالتهم على القضاء بعد التحقيق معهم، بتهمة المساس بالأمن والانتماء إلى جماعة تمسّ بالسلم الاجتماعي.

الجزائر تحولت إلى ساحة صراع ديني تمتد جذوره إلى عواصم إقليمية، مما يعزز فرضية وقوعها تحت مخطط لتمزيق وحدتها

وعكس التيار الشيعي الذي ثبت وقوف جهات شبه رسمية ورسمية على علاقة بدولتي إيران والعراق إلى جانبه، واتضاح معالم خلاياه الناشطة والعناصر القيادية، فإن الغموض لا يزال يلف ملابسات تغلغل الطريقة الأحمدية للجزائر، رغم أن التحقيقات توصلت إلى الرأس المدبر، لكن لم يتمّ الكشف عن هويته قبل الإقرار بتفاصيل الانتشار والخلايا القائمة.

ويرى متابعون للشؤون المذهبية، أن شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية وحتى الفضائيات المروجة للمذهب، هي التي ساعدت على تسلله في الجزائر، في ظل هشاشة المناعة الفكرية والدينية للبعض من الفئات الاجتماعية، وبدائية خطاب المساجد الذي تتبناه السلطات الرسمية في البلاد، حيث يسجل تفاعل لافت للبعض من الجزائريين من مختلف الأعمار ومن الجنسين مع خطاب الوسائط المذكورة في مختلف المجالات.

وتحولت الجزائر في السنوات الأخيرة، إلى ساحة صراع ديني تمتد جذوره إلى عواصم إقليمية، مما يعزز فرضية وقوعها تحت مخطط طائفي لتمزيق وحدتها، ففي مطلع هذه العشرية شهدت محافظات منطقة القبائل (تيزي وزو وبجاية والبويرة)، نشاطا تبشيريا سريا أخذ أبعادا سياسية لكونه تركز على منطقة ذات حساسية مميزة في التركيبة العامة للبلاد، الأمر الذي دفع الحكومة إلى إصدار قانون العام 2006، لتنظيم النشاط الديني والحدّ من الممارسات السرية والمشبوهة.

وفي المقابل وجدت الحكومة نفسها في مواجهة المدّ السلفي وهيمنته على المساجد والجمعيات الدينية وحتى البعض من الجامعات، والبعض من الأنشطة الاقتصادية والتجارية غير المقننة، فبالرغم من استعانتها بالتيار في سنوات ماضية للحد من خطاب تطرف الجماعات الإسلامية المسلحة، إلا أن توسع نشاط السلفيين وسعيهم للاستحواذ على المؤسسات الدينية، وولاءهم الخارجي، دفعها إلى مراجعة موقفها منهم والسعي إلى سحب البساط منهم، خاصة مع تنامي خطر تغير الهوية الدينية للبلاد.

وحسب مصادر أمنية، فإن التحقيقات أفضت إلى التأكد من رغبة أنصار الأحمديين في تكوين مركز دعوي في الجزائر، وأن تعداد الأنصار يناهز الألف شخص، موزعين على عدد من الخلايا تشتغل في سرية تامة، وتستمد تعاليمها وأفكارها من جهات أجنبية مختلفة.

وعاب إمام المسجد الكبير بالعاصمة، علي عية، على وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، التأخر في التكيف مع التحديات والتهديدات القائمة في ما يتعلق بما أسماه “الأمن الديني”، وعدم تطوير ومواكبة الخطاب المسجدي مع اشتعال الصراع المذهبي، وغياب التكوين لدى أئمة المساجد والقائمين على المؤسسات الدينية، بما يسمح التصدي للأفكار الغريبة، والحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع الجزائري.

وذكر بأن المرجعية الدينية للجزائر باتت مهددة، وأن البلاد تقع تحت دائرة خطر التمزيق الطائفي والمذهبي، بفعل التغلغل المريب لمختلف التيارات والأفكار الدينية، خاصة في ظل استقوائها بموالين لها في مراكز القرار، واستفادتها من دعم البعض من المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية التابعة لعواصم إقليمية.

ومع مساعي الحكومة الجزائرية لضبط النشاط الديني، سواء عبر التحكم في المؤسسات الدينية والمساجد، أو عبر مراقبة التحركات السرية للمنشقين عن التوجه العام، فقد وقعت الجزائر تحت طائلة انتقادات تقارير لهيئات ومنظمات حقوقية، والبعض من الهيئات الرسمية، حيث سبق لتقرير أصدرته وزارة الخارجية الأميركية خلال الأشهر الماضية، أن انتقد ما أسماه “التضييق الرسمي في الجزائر على الحريات الدينية".

13