نشر الفتاوى المتشددة يعزز الكراهية ضد المسلمين في الغرب

المؤشر العالمي للفتوى الصادر عن دار الإفتاء المصرية يرصد تقريرا مثيرا حول وجود علاقة بين ظاهرة الإسلاموفوبيا والفتاوى المعاد نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الغرب.
الجمعة 2018/12/21
 

تسعى المجموعات والتيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا وغيرها من البلدان الغربية إلى الاستفادة من الفتاوى الإسلامية القديمة والتي تتضمن خطابا عنيفا محرضا على التشدد وتكفير الآخر من خلال توظيفها في خدمة أهدافها ومشاريعها المعادية للأقليات المسلمة الموجودة في المجتمعات الغربية. وبيّن تقرير أعده المؤشر العالمي للفتوى يرصد الفتاوى المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت في البلدان الغربية وجود علاقة وطيدة بين تنامي الإسلاموفوبيا هناك والفتاوى المعاد نشرها بعد سنوات كثيرة من صدورها.

القاهرة – ينطلق اليمين المتطرف في الغرب للهجوم على الإسلام عبر إعادة نشر البعض من الفتاوى القديمة، التي تتسم بالتشدد والتطرف، وتدعو إلى تكفير الغير ونشر الأفكار والمعتقدات الدينية الخاطئة، وهو ما يتسبب بطريقة غير مباشرة في زيادة التوتر بين المسلمين هناك وبين المجتمعات الغربية، وخلق فجوات أوسع لتحقيق المزيد من التفاهم والتواصل.

ويرى البعض من المراقبين ضرورة تعزيز العمل المشترك بين المراصد الإسلامية في الشرق والمسؤولين في الغرب، وليس الاكتفاء بالتعليق والشجب، من أجل التصدي لتلك الظاهرة، لأن القضية تحتاج لمزيد من التعاون والتكاتف لمنع تفاقمها، وتسرب تداعياتها بما يضر بالكثير من المجتمعات.

ورصد المؤشر العالمي للفتوى الصادر عن دار الإفتاء المصرية، الأربعاء، تقريرا مثيرا حول وجود علاقة بين ظاهرة الإسلاموفوبيا والفتاوى المعاد نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الغرب بغرض زيادة حدة العداء في المجتمعات الغربية ضد الأقليات المسلمة الموجودة في كثير من دولها.

وقال تقرير المؤشر العالمي للفتوى، الذي بنى دراسته على تحليل أكثر من 10 آلاف فتوى منشورة خلال العام الحالي، إن 60 بالمئة منها جاءت متحدثة عن دعوة الإسلام للقتل والعنف والتخريب، وهو ما كان مبررا لنشر رسائل الكراهية والعداوة المضادة مع المسلمين وتكريس فاضح لظاهرة الإسلاموفوبيا.

ويرى متابعون أن إعادة ضخ تلك الفتاوى المتطرفة من قبل متشددين وشعبويين، تهدف إلى زيادة حدة العداء بين الأقليات المسلمة في الغرب ومجتمعاتهم، ويصب في النهاية لصالح اليمين لتخويف المجتمع الغربي من الإسلام ومعتنقيه، والزعم بأن جميع المسلمين، من دون تفرقة، خطر على الحضارة الأوروبية.

وتجسد ذلك في العديد من المواد التي تبث عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية.

وجاءت أبرز الآراء الفقهية المتشددة التي تمت إعادة نشرها رغم مرور سنوات على إصدارها، فتوى أسامة بن لادن الصادرة في عام 1994 والتي تقول بوجوب محاربة اليهود حول العالم، وفتوى يوسف القرضاوي التي ظهرت في عام 2004 وتفيد بوجوب اختطاف وقتل الأميركيين في العراق.

والمؤشر العالمي للفتوى، وهو مرصد أنشئ خلال أعمال المؤتمر العالمي للإفتاء المنعقد بالعاصمة المصرية القاهرة في أكتوبر الماضي، يهدف إلى ربط هيئات الإفتاء حول العالم بكيان مشترك، والتصدي لإعادة نشر الفتاوى القديمة التي تتضمن أفكارا خاطئة عن الإسلام باعتبارها لا تقل خطورة عن التحريض على العمل الإرهابي والترويج لأفكار المتشددين واستهداف المدنيين.

ويرى عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، في تصريحات لـ”العرب”، أن إعادة نشر الفتاوى المتشددة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في أوروبا وغيرها، يوسع الفجوة بين الشرق والغرب ويزيد من الكراهية بين الشعوب، وهي مسألة شديدة الحساسية وتحتاج إلى مواجهة مباشرة تماما مثل مواجهة الإرهابيين أنفسهم، لأنها تخلق موجات جديدة من الراديكالية.

أصوات كثيرة في الغرب تطالب بوقف الحملات المغرضة ضد المسلمين، والغالبية تدرك أن إعادة نشر الفتاوى القديمة، تهدف لزيادة التوتر بين المسلمين وغيرهم في الغرب، مما يضرب قيم المواطنة ويؤثر على التعايش السلمي هناك

وتوقع الأطرش أن تشهد الفترة المقبلة تطورا في أساليب تخويف الغرب من الإسلام. وقال، لـ”العرب”، “تصرفات داعش والجماعات المتطرفة حققت لأعداء الإسلام الكثير من الأهداف، وكأن هذه الجماعات المحسوبة على الإسلام، وجدت وتوفرت لها الأسباب لتشويهه وتقديم نموذج للتطرف والزعم بأن هذا هو الإسلام، رغم أن تصرفات تلك الجماعات تتناقض مع جوهر وتعاليم الشريعة الإسلامية”.

ويبدو جليا مدى التقارب بين محتوى التقرير الذي أصدره المرصد (المؤشر العالمي للفتوى) واستراتيجيات وأهداف العديد من الدول الغربية لمواجهة التطرف والإسلاموفوبيا.

 ومن شأن هذا التقارب خلق حالة من التفاهم لمواجهة ذلك التصعيد في خطاب الكراهية بين الطرفين، سواء المتشددين الذين يطالبون بمحاربة الحضارة الغربية، أو أهل التطرف في الغرب والشعبويين الذين يعيدون تدوير تلك الآراء من أجل زيادة الغضب المجتمعي ضد المسلمين.

ولفت أحمد النور مفتي تشاد، في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن أصواتا كثيرة في الغرب تطالب بوقف مثل هذه الحملات المغرضة، والغالبية تدرك أن إعادة نشر هذه الفتاوى القديمة، تهدف لصناعة المزيد من التوتر بين المسلمين وغيرهم في المجتمعات الغربية.

ويؤكد النور أن هذا الأمر يضرب بقيم المواطنة في البلدان الغربية، ويؤثر على مبادئ التعايش السلمي بين المواطنين.

وقال مفتي تشاد، في أثناء زيارته للقاهرة، إن استدعاء هذه الفتاوى في الوقت الحالي، يعد خطرا على المجتمعات الغربية، ويؤدي إلى نشر التعصب والكراهية، وهذه المحاولات تبين ضرورة وحتمية التواصل مع الغرب، لتوضيح مفهوم الجهاد الحقيقي في الإسلام، وبيان منهج الإسلام في التعامل مع الآخر المخالف في الدين، وبيان أن الفتاوى المتشددة التي ظهرت في بيئات وأزمنة مختلفة لا تعبر عن سماحة وجوهر الدين الإسلامي.

وسبق للأوقاف المصرية أن طبعت كتابا تحت عنوان “مفاهيم خاطئة” في إطار خطط تصحيح الخطاب الديني، وتولت الحكومة طباعة الكتاب وتوزيعه على طلاب المدارس والجامعات مجانا، وتمت ترجمته إلى عدة لغات أجنبية.

وتضمن الكتاب عددا من المفاهيم التي تستغلها الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب عبر تفسيرات خاطئة، ومنها الجهاد ودار الكفر ودار الإسلام والخلافة الإسلامية، وخطورة التكفير.

ويعتبر البعض من المراقبين أن تلك التحركات محلية ومحدودة لا ترقى لتحقيق تفاهم حقيقي وتواصل لمواجهة الأزمة ووضع آلية على مستوى رفيع من القيادات وتقديم تفنيد فعال لتلك الجرائم العدائية.

ويوضح بركات عبدالعزيز، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن رصد مثل هذه الفتاوى ليس الهدف المطلوب، لكنه من الضروري التعامل بنفس الوسائل والرد عبر مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات المؤسسات الدينية الرسمية، وأن يكون الرد مترجما باللغات الأجنبية.

وتابع، في تصريحات لـ”العرب”، أن الوقوف دائما في موضع رد الفعل، يبين عدم القدرة على التواصل مع الغرب، وينبغي أن يتم تطوير تلك المراصد وتكون هناك خطة عمل وتنسيق بين المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، لأن نشر فتوى واحدة في الغرب، ينعكس سلبا على حياة آلاف المسلمين هناك.

وتزيد هذه المحاولات من موجات التعصب والكراهية، لأن الأقليات الإسلامية في الخارج تتحمل ضريبة الفتاوى والآراء المتطرفة، لكونها تصدر داخل البلاد الإسلامية وتنتقل في دقائق لتكون حديث وسائل التواصل الاجتماعي في الغرب.

13