نشمي مهنا شاعران في وقت واحد وبطريقتين مختلفتين

الاثنين 2015/01/12
نشمي مهنا يتمكن من أن يكون شاعرين مختلفين متشابهين

ثار في الكويت مؤخراً جدل واسع بين أنصار الأدب الجديد وأصحاب النظرة التقليدية في الأدب إثر إعلان جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية. وقد عكس هذا الجدل تقهقر النظرة التقليدية لصالح الكتابة الجديدة، لاسيما الكتابة الشعرية إثر فوز شاعر حداثي هو نشمي مهنا بإحدى هذه الجوائز لعام 2014 التي تمنح في مجالات الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية.

ذهبت جائزة الدولة التشجيعية في مجالات الآداب بفئة الشعر للشاعر نشمي مهنا عن ديوانه “الماء في سورته”، في حين حصلت الأديبة بثينة العيسى على الجائزة في فئة الرواية عن عملها “كبرت ونسيت أن أنسى”، وفي فئة الدراسات اللغوية والأدبية النقدية فازت الدكتورة فاطمة الملحم عن دراستها “من التطبيقات المعجمية: المعجم الموضوعي لألفاظ الحكم والإدارة”، وقد حصل الدكتور نواف الجحمه على الجائزة في مجال تحقيق التراث العربي عن كتابه “رحلة أبي الحسن الهروي: الإشارات إلى معرفة الزيارات”.

نشمي مهنا -أو وضّاح كما يحلو للكثيرين مناداته- شاعر كويتي من مواليد 1964، عضو في رابطة الأدباء الكويتية وجمعية الصحفيين. صدر له: “البحر يستدرجنا للخطيئة” 2001، و”الآتية كغد مألوف” 2012، و”مجاراة المهموم في هذيانه” 2013، و”الماء في سورته” 2014. وله كتاب في القراءات الشعرية تحت الطبع.

"غراب أسود" وضاح

“على نفس الخطى نمشي ليالي

ونرد انعيد من أول وتالي

وغراب أسود تخطرف في سمانا

ولا احّد ينتبه وإلاّ يبالي!

وتشغلنا عن الدنيا توافه

ولا ندري بأنّ الموج عالي

خليج الملح، يالمتعوب قلبك

تَلَفّتْ شرق وجنوب وشمالِ

بأي لحظه تثور النار حدرك

وحالك كالطفل داله وسالي

ولا حسّبت حق باجر حسابك

ولا فكّرت أمن الدار، غالي!

وكل همّك ترصّد كل كاتب

وأمْنك “داخلي”! كالثوب بالي

على الصدْفات هذي الدار تمشي

ونجهل إشـ يجي بباقي الليالي!”


جدل بعد الفوز


لا غرابة أن يخلّف فوز الشاعر الكويتي نشمي مهنا بجائزة الدولة التشجيعية عن مجموعته الشعرية “الماء في سورته” في نوفمبر الماضي، جدلا في الساحتين السياسية والثقافية، فنشمي مهنا المعروف جماهيريا بـ”وضاح” الشاعر الشعبي، المطلّ على قرائه من زاويته “درايش”، في صحيفة الجريدة الكويتية، بروح مقاومة ساخطة، رافضة للمنظومة الحكومية، وساخرة عليها، وعلى أدائها، لا يمكن أن ينسجم بسهولة لدى قرائه مع نشمي مهنا الشاعر الحداثي التقدمي، المتواري بمجاز شعري كبير خلف أربع مجموعات، امتدّت بهدوء منذ عام 2001 حتى 2014. الأمر الذي جعل المتلقي لإعلان فوزه في حالة ارتباك بين وضاح الذي يحب ونشمي مهنا الذي لا يعرف.

لقد احتفت بهذا الفوز الأوساط السياسية والثقافية في الكويت، فقد قال عنه الشاعر خليفة الوقيان على هامش استضافته في مركز المنيس الثقافي: “نشمي مهنا مختلف عن أبناء جيله، وهو يجسد ظاهرة ثقافية تجاوزت حدود الكويت، إنه المناضل المتميّز بغزارة مادته الشعرية، وتجاوزه للخطوط الحمراء”. وقال عنه النائب الكويتي السابق صالح الملا: “وضاح/ نشمي كان سببا في نجاحي”.


شيزوفرينيا شعرية


ورغم كون الجائزة جاءت -بشهادة أطراف كثيرة- مستحقة عن جدارة لنشمي، وبأنها تعتبر انتصارا لقصيدة النثر التي استسلم لفتنتها على يديه أعضاء لجنة التحكيم في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، بالكويت، المعروفة بارتهانها -غالبا- للشكل الشعري الكلاسيكي، غير أننا أمام جدل يستحق التوقف والتأمل.

لقد انعكست الآراء التي رافقت الجائزة في الساحة الثقافية الكويتية على أكثر من صعيد.

فحول سؤال من صحيفة “العرب” للشاعر الكويتي دخيل الخليفة، علّق قائلا: “فوز الشاعر نشمي مهنا بجائزة الدولة التشجيعية انتصار لقصيدة النثر، وللجيل التسعيني، الذي قلب المشهد الشعري في الكويت من حالة جمود وتقليد إلى حالة حركة، وأسس لتيار حداثي حجز مكانه في الخارطة الشعرية الخليجية والعربية”.

"انتحاره بالأمس" نشمي مهنا

“الولد الحافي

الولد الذي أتعبته الظهيرة

وأثقلته مرارة النسيان

خفض رأسه

ينهل من حافة النهر

فرأى

يدا معروقة في الماء

وخيال مُقعَد

يوشك

أن يُجهز على مكابرة قديمة

يروي للمارة أنه

سمع استغاثة في الغابة

ورأى عكازا قرب المصب”

ويؤكد الخليفة قائلا: "إن نشمي يستحق الفوز وإن كان مقلا جدا في نصوصه، رغم إيماننا بالكيف وليس بالكم. ونأمل أن تدفعه الجائزة المرموقة إلى إثراء الساحة الشعرية بجديه”.

وأضاف الخليفة: “أتمنى أن يركز نشمي على الفصحى أكثر من تركيزه على العامية، التي يكتبها من منطلق فكري باسم وضاح، الذي اشتهر به شعبيا”.

ويقول: “أعتقد بأن وضع اسم وضاح المستعار إلى جانب صورة الشاعر ذاته، يلغي رمزيته. ويفترض أن يعود وضاح إلى اسمه الحقيقي، نشمي مهنا، مادامت الصورة الشخصية موجودة، فالكل هنا يهمّه الشعر الذي يكتبه نشمي، وليس الاسم أو اللقب. نبارك لنشمي مهنا، وحصوله على جائزة الدولة التشجيعية فوز لنا جميعا”.

من جهتها كتبت الروائية الكويتية منى الشمري حول هذا الشأن قائلة: “مَن الذي فاز بجائزة الدولة التشجيعية عن الشعر منذ أيام، الشاعر المبدع نشمي مهنا عن ديوانه بالفصحى «الماء في سورته»؟ أم الشاعر الشعبي وضاح عن المسجات والطلقات النارية السريعة التي يكتبها في جريدة الجريدة، على شكل أبيات عامية مرتجلة للمرحلة؟”.

وتضيف: “ما نعرفه أن الأول هو الذي فاز، أما الذي لا نعرفه فهو «الشيزوفرانيا» الشعرية لدى الشاعر، الذي يكتب باسمين مختلفين، ونسقين شعريين متباعدين، وصورة شخصية واحدة، فقد انتقلت أعراضها للناس، حيث هاجم واستنكر البعض تقدّم نشمي للجائزة ثم فوزه المستحق بها”.

رغم اختلاف الاشتغال بين عالميه إلا أن من يقترب من نص نشمي لا يستطيع أن يتبيّن فيصلا بينه وبين وضّاح، فهو يتقن أن يكونهما معا. حتى لو تجاوزنا النص لنلتقي بالشاعر نفسه، فنحن أمام شاعر مرهون لعالمين اثنين، عالم يخاطب به شعبه الكويتي والعربي متسائلا من خلاله عن لقمة عيشهم، وتفاصيل حياتهم اليومية.

وعالم آخر مشغول بالمجاز الشعري العالي، الذي لا يمكن أن يكون إلا نخبويا متجاوزا للمباشر والجاهز واليومي. ولا شك أنه من الصعوبة أن تكون شاعرين في زمن واحد لكن نشمي استطاع أن يكونهما معا.

15