نشوة مغتصبة

الأربعاء 2017/11/08

في لوحة الفنان الإسباني دييغو بيلاسكيس الشهيرة “السكارى الرديئون”، ينتصب شخص بملامح مجهدة في مركز التجمع الهجين، ابتسامته لا تدل على الرداءة المطلقة، بخلاف المتحلّقين حوله يمينا من الأجلاف المتهالكين، تلوح من عينيه ضياء نشوة تنير التقاسيم الواهنة، وكأنما هو من أقلية تجرب الخمر مع محترفين، لا تهم باقي التفاصيل في الكتل الجسدية المتساندة في اللوحة، ولا تأويلاتها لمن يسعى لفهم معنى السعادة المختلسة؛ لذا كان هذا العمل الباروكي الأخّاذ ينطوي على عمق سوداوي وتهكّمي في آن.

وفي المدن العربية حيث يشكل الأردياء البريئون قاعدة عريضة، وحيث قاعدة الفجائعية المضحكة لم تعد تترك هوامش للسعادة. قد لا يخطر على بال فنان أن يرسم لوحة مشابهة لعمل بيلاسكيس، لأن تفاصيلها باتت منجّمة في مئات الأعمال الفنية المتواترة منذ أواسط القرن الماضي.

لكن هذا العمل تحديدا ينطبق على “الآن” و”هنا” الممتد من المحيط إلى الخليج، نرى فيها ملامح المنهكين الأجلاف، المأخوذين إلى اختلاس سعادات عابرة مغتصبة ووحشية، حيث لا يمر يوم دون أن تتفاقم شهوة القاع إلى مفاجأة المجتمع المريض بمزيد من مشاهد القسوة لانتزاع النشوة، من المقاهي إلى المدارس ومن الشوارع إلى الجامعات، مئات الشرائط تتدفق يوميا لتوثيق لقطات التحرش والاغتصاب والهيجان العصابي لمدمنين أردياء، تطل منها دوما أجساد منهكة شوهتها الرغبة والنشوة معا، دون أن تفقد نسغها الفطري، وكأنما هي تمهيد لحفلة الجنون الجماعي الزاحف، شيئا فشيئا، لإغراق بلدان الكبت والتسلط.

في كتاب “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” يتحدث الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو عن المحجز الطبي في القرن السابع عشر الذي كان مخصصا للحمقى والمصابين بالأمراض الجنسية ومدمني الأفيون، إذ أراد المجتمع الأوربي أن يجعل منه سجنا أكثر من مستشفى، وهيمنت رغبة العزل والعقاب على مبدأ الإنقاذ والسعي إلى العلاج، وكان هذا الاقتران بين سيحان العقل والنشوة الجنسية القاتلة يجعل السقم المتفاقم في حد ذاته دليلا عل ثبوت الجرم، فلا براءة مع النشوة المختلسة ضدا على المجتمع.

لهذا بدا لافتا أن يرسم بيلاسكيس، الذي كان في عنفوان الثلاثينات من عمره، عمله للترفيه عن ملكه فيليب الرابع، الذي احتفظ به في قصره الصيفي بوصفه مشهدا مضحكا ومسليا، وأيضا بما هو تمثيل للسعادة المدنسة تلك القادمة من وهدة الغرائز البدائية والخصاصة والضعف البشري. في المحصلة تتخايل اللوحة نفسها لمشاهدها بوصفها عملا عقابيا لنزعة المزاوجة بين الجرم والبراءة، الرداءة والمتعة الممتنعة.

كاتب مغربي

15