"نشيد الرجل الطيّب" رواية أردنية تنقد اليسار العربي

رواية تحكي بجرأة وذكاء دون مباشرتية عن أزمة اليسار العربي.
السبت 2021/02/13
اليسار بين الحلم والواقع

عمّان - "نشيد الرجل الطيّب" عنوان الرواية الجديدة للكاتب الأردني قاسم توفيق، وقد صدرت أخيرا بالاشتراك بشكل متزامن بين ثلاث دور نشر عربية وهي منشورات ضفاف ببيروت، بيت الحكمة في القاهرة، ومنشورات الاختلاف في الجزائر.

وتتابع الرواية سيرة شخصيتين رئيسيتين، من خلالهما تقدم مسحا لمجتمع وواقع كامل، الأول هو المصوِّر الفوتوغرافي مسعود الصانع وهو شيوعي سابق، أما الثاني غازي العبد وهو على الطرف النقيض، رأسمالي جشع. والمثير في الحكاية أن هاتين الشخصيَّتين لم تلتقيا على امتداد أحداث الرواية، لكنّ السرد يتابع نموهما وهما تسيران في خطَّين متوازيين ولكنهما تتقاطعان في نقطة واحدة تكون هي المحور الذي تتشكَّل منه هاتان الشخصيَّتان.

يفتِّش مسعود في بدايته عن مبرِّر لوجوده، وينخرط في مقتبل شبابِه في الحزب الشيوعي المحظور آنذاك، ويعود من هذه التجربة فاقدا للأمل في فهم كنه وحقيقة وجوده كفرد وسط مجتمعه. وبعد أن يعجز عن العمل بشهادته الجامعيّة بسبب خلفيَّته الحزبيّة، يقرّر أن يتحوَّل إلى مهنة التصوير عبر الكاميرا التي يمتلكها.

قاسم توفيق: الرواية تقدم أوجها من النقد لسطوة القيم السلبية في المجتمع
قاسم توفيق: الرواية تقدم أوجها من النقد لسطوة القيم السلبية في المجتمع

يحاول الشاب عبر الكاميرا ومهنته الجديدة أن يبحث في كنه نفوس من يلتقي بهم ويلتقط لهم صورا. وتتطور مسيرته ليحقِّق نجاحا هاما في مهنته، ويتحوَّل إلى خبير في فنون الرَّسم وصاحب رؤية خاصة، نتيجة لقراءاته الفكرية والفلسفية التي أسقطها على عمله كفوتوغرافي.

كل شيء كان يسير إلى الأفضل في حياة مسعود إلى أن يتعرَّض لحادثة دهس من سيارة يقودها شاب أهوج، ليبدأ رحلة جديدة في العلاج في المستشفى، وفي هذه الرحلة يعود إلى ذاته وتنفتح في وجهه أسئلة وجودية كثيرة.

يحاول قاسم توفيق في روايته هذه أن يُظهر ابتسامة الموناليزا كأوَّل خدعة مورست في الفنون البشريّة، كما يحاول تهشيم نظرية فرويد في ما يخص “عقدة أوديب”، مؤكدا أنَّ الأب هو المُدان في اختلال العلاقات بين الآباء والأبناء، فهو البادئ في محاولة قتل الابن متأثرا بنبوءة العراف.

مقابل شخصية مسعود، تقف شخصية ابن مهرِّب البترول والأسلحة، غازي العبد، الذي لا تتعدّى ثقافته ووعيه ما يشاهده في السينما التجارية من أفلام الحركة البوليسيّة التي يبقى مولعا بها بعد أن تجاوز الخمسين من عمره. ويكرِّس هذه الثقافة ويبحث عن أسباب تجعله يطبِّق ما يشاهده على حياة العاملين معه.

التقاطع الوحيد بين شخصيَّتي مسعود وغازي يكون في عمل والد مسعود سائقا لدى المؤسسة التي يملكها والد غازي، محمد العبد، حيث يقوم بتهريب البترول والأسلحة والمخدرات لصالح شركة العبد، إلى أن يفكِّر في التَّهريب لمصلحته الخاصة، فيقرِّر غازي العبد التخلُّص منه. ونتيجة لظروف تحدث أثناء محاولة قتلِه يتعرَّض إلى إصابة تسبِّب له شللا، فيقضي ما تبقى من عمره طريح الفراش عاجزا عن النُّطق أو الحركة.

“نشيد الرجل الطيّب” رواية تحكي بجرأة وذكاء دون مباشرتية عن أزمة اليسار العربي والصراع الدونكيشوتي الذي يعاني منه هذا اليسار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

محاولة للكشف عن الاختلال في النهج اليساري العربي
محاولة للكشف عن الاختلال في النهج اليساري العربي

وتسأل “العرب” الروائي قاسم توفيق عن مدى اشتباك الاجتماعي بالسياسي في روايته، فيجيب بأن “كل ما مضى من تاريخ البشرية منذ بداية وعيها، قام على تشكل جدلي تطور في اتجاهات ووقائع متوازية استحدثت مفاهيم تحولت إلى أجزاء مكونة للمجتمعات. السياسة منذ بدء تشكلها كفكر ونهج لم تبتعد عن كونها نتاجا للمجتمع الذي يفرزها ويحدد أشكالها”.

ويشدّد على أن “ما نعيشه اليوم من أثر وتأثير حاد من الفعل السياسي هو نتاج علاقات المجتمع المادية في الأساس والفكرية والثقافية بعدها”.

أما عن تنبؤ روايته بنهاية اليسار العربي، فيقول توفيق لـ”العرب” “لا توجد نهاية للأفكار بل هناك تغيّر. اليسار في العموم حالة سائدة في عالم الفكر والسياسة لكنها متذبذبة ومرتبكة مثل باقي المذاهب والأفكار”.

ويضيف “موضوع اليسار العربي أنه واجه بتقديري معارك أعتى مما واجهها اليسار في أي مكان على الأرض،  لقد أراد العبور في مجتمعات لا تزال تعيش في مجملها بعقلية مضت عليها قرون، تقاوم التطور والتحرر، بل وتكفّره، خاض اليسار العربي معاركه ضد التخلف والاستبداد بذات المناهج الفكرية التي تربى عليها في مجتمعاته، لذلك سقط في المأزق الذي عطل تقدمه ولم ينهيه”.

تسأل “العرب” توفيق كيف نقرأ المستقبل في ظل “نشيد الرجل الطيب”؟، ليجيب “في رواية ‘نشيد الرجل الطيب’ حاولت الكشف عن الاختلال في النهج اليساري العربي، والأردني بالتحديد، خاصة أنني خضت تجربة العمل الحزبي المحظور لأكثر من عقد ونصف (الحزب الشيوعي)، أردت أن أكشف عن الجانب النفسي والخلفية الثقافية المتوارثة التي يظل أثرها واضحا في وعي وثقافة وشكل الصراع الذي يخوضه الشيوعي”.

ويضيف “لقد عرفت من خلال تجربتي أن الشكل الذي يبنى عليه الحزب لا يختلف كثيرا عن الأشكال التي تبنى عليها مؤسسات الدولة، دون رغبة في تطويرها أو الخروج بأفكار أكثر جدوى وفاعلية وأكثر اهتماما بالجماهير التي من المفترض أننا نناضل من أجلها. لكن الهيكل الحزبي تماهى مع شكل المؤسسة الحكومية”.

ويلفت في حديثه لـ”العرب” إلى أن الرواية تقدم أوجها من النقد لسطوة القيم السلبية التي في المجتمع في انعكاسها على العمل الحزبي، محاولا أن يكرّس نهج النقد المشروع في داخل الحزب.

13