نصائح المجربين

الخميس 2016/04/28

كثيرة هي الكتب التي يضعها المتمرسون في الأدب السردي، إما للحديث عن تجاربهم الفنية وما تخللها من تطورات وانعطافات، ولا يهمّهم أن يأخذ بها اللاحقون أو يحيدوا عنها أو ينكروها أصلا، وإما لتقديم نصائح استخلصوها من تجاربهم تلك، قد تساعد المبتدئين في تلمس طريقهم، قبل أن يعمّقوا مجراهم. وغنيّ عن القول إن الموهوب لا يحتاج بالضرورة إلى تلك النصائح، ولكن الموهوبين، كما نعلم، عملة نادرة، إلا في بلادنا العربية التي يفوق فيها النابغون عدد قرائهم.

تلك الكتب لا تقدم وصفة سحرية، ولا تضمن لقارئها امتلاك موهبة ليست فيه، ولكنها تساعده على الأقل في تبيّن المطبّات التي عادة ما يقع فيها المبتدئون، وتنبهه إلى خصائص كل جنس أدبي فلا تكون القصة عنده مثلا ملخص رواية أو تكون الرواية قصة مطوّلة، وترشده إلى تقنيات السرد والوصف والحوار وبناء الشخصيات وسبر أعماقها، دون أن تدّعي أنها سوف تخلق منه مبدعا لا غبار عليه، لأن فاقد الموهبة لا يمكن أن يبدع نصّا مكتملا ولو استعان بكل الأدلة. كذا المنظّر الذي لم يباشر الإبداع، وكلنا نذكر مثال المصري محمد مندور حين صرح أنه يعرف جيدا مكونات النص السردي وشروطه، ويعرف أساليب صوغه، ولكنه يعترف بأنه لو قيّض له أن يؤلف نصا فسيكون كالجسد الخالي من الروح.

تلك الكتب، على اختلاف مشاربها وتنوع منطلقات أصحابها الفكرية والمذهبية، من ميلان كونديرا وأعمدته السبعة إلى برغاس يوسا ورسالته إلى روائي شابّ، مرورا بماركيز ومذكراته لا تعدم فائدة حتى بالنسبة إلى المتمرسين، ليس من جهة الاحتذاء بها، فالإبداع خلق على غير مثال، بل من جهة الاستئناس ببعض إشاراتها. كذا كتاب داني لافريير "يوميات كاتب في بيجامة" الذي ينصح كل راغب في الكتابة بالقراءة أولا والقراءة آخرا حتى يتبين طريقه، ويعرض لمختلف أساليب الوصف لدى العمالقة ويحلل فروق الاستهلال عندهم، وكتاب جديد لجاك لندن عنوانه "المهنة: كاتب"، وهو عبارة عن مقالات ومراسلات ومساجلات متفرقة جمعها الفرنسي فرنسيس لاكاسان، أورد فيها الكاتب الأمريكي رؤيته للعمل الفني انطلاقا من تجربته، ونصائح لفت انتباهنا منها تأكيدُه على ضرورة إيجاد كل كاتب إيقاعه الخاص، وتجنب ما يصبح في عداد الموضة - كالوجودية والواقعية الاشتراكية والواقعية السحرية - وخاصة اتخاذ دفتر يدوّن فيه الكاتب يوميا كل شاردة وواردة، لا يفارقه حتى في أكله ونومه، ويقول محذرا من الذاكرة "الورق الرخيص أقلّ تلفا من المادة الشخماء"، فهي أشبه بصورة شمسية معروضة للشمس.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15