نصب مجهولة

السبت 2014/08/30

نصب أو ضريح الجندي المجهول تقليد معماري له أبعاد إنسانية، تبنته – رسمياً- بعض الدول الأوروبية ودول متفرقة من العالم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وقبل هذا التاريخ كانت قد شيدت بعض النصب المتفرقة في دول عدة من أوروبا وأميركا على خلفية الحروب الأهلية التي دارت رحاها في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر.

ويمثل تشييد هذه النصب في العموم لفتة وفاء وإجلال لضحايا الحروب من ملايين الجنود، الذين فقدوا ولم يتم التعرف على هوياتهم أو درست جثثهم وآثارهم بفعل الفوضى التي عمت ساحات المعارك. وتكريماً لذكرى هؤلاء، رأت بعض الحكومات إقامة أضرحة رمزية لجنودها المجهولين في ميادين العواصم الرئيسة.

في العراق اليوم، هناك متسع من الساحات والميادين والحروب لتشييد عدد لا متناه من أضرحة الجنود المجهولين، فنصب الجندي المجهول الذي صممه المعماري العراقي رفعت الجادرجي العام 1959 من القرن الماضي والذي أزيل ليستبدل بتمثال صدام حسين، التمثال الذي أزيل بدوره عقب سقوط النظام نفسه، كذلك نصب الجندي المجهول للتشكيلي الراحل خالد الرحال والذي تم تصميمه على خلفية أحداث الحرب العراقية- الإيرانية أو ربما خلفاً للنصب المغدور، كلاهما، كانا يرمزان للجنود المجهولين الذين ذهبوا ضحية الحروب في العراق على امتداد كتب التاريخ الملوثة بدماء أبنائه.

وعلى الرغم من أن هنالك محاولات (خجولة) لإعادة بناء نصب الجادرجي في مكانه السابق في ساحة الفردوس وسط العاصمة بغداد، إلا أن المعماريين العراقيين ومن واقع الفوضى اليومية والدمار الذي غلف حكايات الأماكن والناس ما زالت تتلبسهم الحيرة، فكم من النصب ينبغي عليهم تصميمها؟ ومن سيكون له السبق، الجنود أو المدنيون المجهولون الذين سقطوا ويسقطون يومياً؟ وكيف ستنفد مثل هذه المشاريع على أرض الواقع المحترقة، وهنالك فرصة لأن يصبح المنفذون أنفسهم مجهولين في أحد حوادث الموت التي مازالت تقتلع الأرواح البريئة على عجل؟

الجنود والتلاميذ والعمال والمهندسون وربات البيوت والآباء والشعراء والأطفال الرضع، أصبحوا جميعاً مجهولين أو مشاريع أضرحة مجهولة، في بلد ما زال يسير معصوب الإرادة بأيد مجهولة تأخذه إلى موت مجهول.

على حد سواء، قرر الأحياء في قضاء سوق الشيوخ التابع لمدينة الناصرية جنوب العراق، تخليد ذكرى أبنائهم المجهولين من عمال النظافة من الأموات أو الأحياء الذين يسيرون في طريقهم إلى الموت، من رحل منهم صيداً ثميناً للتفجيرات العشوائية التي تنتشر في زوايا الشوارع وحاويات الأزبال، ومن ينتظر الرحيل ضحية انفجارات مقبلة أو في أزقة الفقر والإهمال.

تصدر العمال المجهولون والمصنوعون من معدن رخيص واجهة إحدى الساحات العامة في القضاء في صورة نصب تذكاري رقيق؛ بقامات وسيمة تقبض على رؤوس المكانس وأدوات التنظيف كما تقبض أصابع الموسيقيين على أوتار الكمان، تكاد لا تميزهم عن عمال النظافة والمارة من الأحياء، الذين يسيرون إلى جانبهم بعدم اكتراث.

فالشعوب التي تلوح للسياح بثراء تاريخها وتماثيل عظمائها الذين طبقت شهرتهم الآفاق ونصب جنودها الذين رحلوا بشرف في ساحات الوغى، يمكنها أيضاً أن تبتدع من موت المجهولين والمهمشين أطباقاً شهية فتقدمها ساخنة للسياح الباحثين عن كل ما هو جديد ومبتكر، ليوثقوا ذكريات زياراتهم السعيدة للبلدان المنكوبة ويسردونها – فيما بعد- لأحفادهم حكايات مسليّة عن الوطن الجريح الذي صهر أبناؤه في تماثيل من البرونز وزرعت بقاياهم في الميادين العامة، وحول أجسادهم النابضة بالحياة إلى مجرد رسومات على طاولات المعماريين.

21