نصرالله المقنع أكثر من أي وقت مضى

الخميس 2013/12/26

المتفحص لمسيرة حسن نصرالله، من بائع في دكان أبيه ثم متتلمذاً في حوزات النجف، لن يجد في تكوينه أو معارفه أيَّة عناصر مميزة تؤهله للقفز إلى قيادة حزب الله في سن مبكرة سوى خصيصتين شديدتي الوضوح: الولاء المطلق للولي الفقيه، وموهبته في الإقناع.

ومن نافل القول أن النظام الإيراني عيّنه في ذلك الموقع، الذي يستلزم إيماناً حديدياً بمشروع الخميني، وقدرة فائقة على تسويقه في المنطقة، فالمبدأ الثاني في نظرية الخميني يقضي بتصدير الثورة، وهو كناية عن إيقاظ الجيوب الشيعية في المحيط وربطها بإيران، بعد أن يتم تأهيل العقيدة الإثني عشرية مجدداً من خلال المبدأ الأول الذي ابتكر بموجبه ما دعي بولاية الفقيه، لسدّ الفراغ المركزي في تلك العقيدة الذي خلفته غيبة الإمام.

سوّق نصرالله نفسه كمقاوم للمشروع الصهيوني، واحتكر لحزبه النطق باسم هذا التيار في لبنان، بأسلوب متقن لكنه ليس فريداً، فهو ينهل من إرث طويل هو مدارس الدعوة الشيعية، الذي أثرته كافة الفرق الباطنية، ويقوم أساسه في الثقافة الفارسية ما قبل الإسلامية، وقواعده محددة في كتاب الزارادشتيين المسمى بالإفستا، ومشروحة في رسائل إخوان الصفا ومبوّبة منهجياً في مدرسة الدعاة الفاطمية التي أسست في القاهرة سنة 969م، وباختصار الرجل يطبق بحرفيَّة القواعد التي تلقَّن للدعاة قبل أن يُدفع بهم إلى الأقاليم البعيدة، وليس لهم من سلاح سوى التقيَّة.

أَسمعَ نصرالله للجمهور العربي ما يودُّ سماعه عن تحرير القدس، وصدقوه مع أن براهينه التي جاء بها لم تعدُ أن تكون مناوشة لاستعادة مزارع شبعا هنا أو حاكورة هناك، لكنه أقنعهم بنفسه نوعاً ما، حتى جاءت الفرصة التي لا يجود بها الزمان مرتين، فانسحبت اسرائيل من جنوب لبنان، وهو الانسحاب الذي جاء استجابة للمتغيرات الدولية عقب سقوط الاتحاد السوفياتي وتفرّد الولايات المتحدة بدور شرطي العالم الضامن لأمن اسرائيل دون أن تحتاج الأخيرة لخوض غمار حروب استنزاف لا نهائية، وقد انسحبت في الوقت عينه في قطاع غزة من منطقة تعادل ثلاثة أضعاف المناطق التي احتلتها في جنوب لبنان، لكن لم يكن بين الفلسطينيين من هو بقدرة نصرالله على الإقناع بأنه قد صنع نصراً لا سابق له في تاريخ المنطقة.

في السنوات التالية صعد نجم رفيق الحريري في لبنان والمنطقة كرجل مدني وصاحب رؤية ومشروع وطني لبناني عروبي، كان النقيض المباشر لمشروع نصرالله المسلح والمرتبط بإيران وعقيدتها الدينية، وواجهت خطابة حسن نصرالله العجز، فذهب إلى اغتياله، والاغتيال السريُّ أيضا جزء أصيل من مدرسة الدعاة ذاتها، وتمثل فرقة الحشاشين الإيرانية ومؤسسها الحسن بن الصباح ذروتها الأشهر.

حاول نصرالله بعد خروج سوريا من لبنان فرض هيمنته هناك من خلال افتعال ما سمي بحرب تموز، التي لم تفلح لا هي ولا المال النظيف على حدّ وصفه في إقناع الجمهور به مجدداً، فاقتحم بيروت في السابع من مايو واختطف الدولة اللبنانية، ليتيح لنفسه الوقت والمساحة لإعادة تأهيل صورته في سلسلة خطابات اهتم فيها بأدق التفاصيل، بما ذلك استخدام شاشة لنقل خطابه من مكان مجهول، مستدعياً بذلك إيحاءات دينية وثقافية وتراثية لمنح غيابه معنى الحضور الفائق.

لكن قدراته الخطابية خذلته مع تفجر الثورة السورية، التي أنكرها أولاً، ثم لوّح بالتدخل، ثم تدخل وبرر ذلك بحماية المراقد، وحين تورط في معركة القصير، بدا لأول مرة مخلخل المنطق، حين زعم أنه تدخل لحماية لبنانيين داخل الأراضي السورية، وعندما ظهر أتباعه في حلب أسقط كل مزاعمه السابقة ليقول أنه يحارب في سوريا دفاعاً عن الممانعة والمقاومة.

في خطابه الأخير، الذي سبقه ظهور انتحاري لتنظيم القاعدة في لبنان، والذي قال فيه أنه يدافع عن وجوده، أعلن حسن نصرالله عن الإفلاس فنياً وإبداعيا أمام الحقيقة العارية؛ إنها الحرب، والحرب تحطم الأوهام.

لم يكن يجافي الحقيقة أبدا حين قال إن حزب الله يواجه حرب وجود، ففي هذا العالم عدالة طبيعية اسمها الفعل ورد الفعل، ومن أراد اقتلاع وجود الآخرين، فلابد أن يجد من يعامله بالمثل، وهو عندما صعَّد من خطابه العنصري الطائفي فلابد أن ينهض في وجهه خطاب مضاد، وهو عندما يستدعي ويستقوي بقوة خارجية هي إيران، فلابد أن تظهر قوة ممانعة محلية.

الحقيقة الأكثر إيلاما التي ستواجه نصر الله، هي أن حبل الكذب قصير، والقوة المزعومة لحزب الله على الساحة اللبنانية والإقليمية لن تصمد لاختبارات المتانة التي لم يصمد لها النظام السوري بترسانته الهائلة، وسيرى كيف سيكتب التاريخ أن حزب الله كان مخلب إيران الذي استخدمته لاستثارة صراع سني شيعي يضعها في مكان الراعي والقائد للشيعة في العالم، وما إن تفجر هذا الصراع حتى سحق المخلب بين رحاه.

بعد التدخل الوحشي لحزب الله وأضرابه من الميلشيات الشيعية في سوريا، وسواء انتصرت الثورة السورية أم هزمت، فإنه صار من شبه المحتوم أن تتسرب العناصر الجهادية السنيَّة إلى لبنان المفتوح والمنهك، كما تتسرب المياه إلى الأرض المنخفضة، ولن يتاح لحسن نصرالله، لا الوقت ولا صفاء الذهن، ليصوغ النهاية التي يشتهي لمسيرته السياسية كما بدأت قبل نحو ثلاثة عقود، وسيضطر شيئاً فشيئاً إلى قول الحقيقة كما هي، ويبدو أنه بدأ يقترب من ذلك فهو في خطابه الأخير بدا متردداً لكنه مقنع أكثر حينما قال:” أدق ناقوس الخطر، بأن هناك شيئاً جديداً وخطراً جديداً”، وسوف يظهر مرة أخرى إما ليقول ما هو ذلك الخطر، أو ليتراجع عن قوله بأن تدخله في سوريا: “قاطع ونهائي وحاسم”.

كاتب وطيار سوري منشق

9