نصرالله والتسويات اللبنانية على إيقاع الحرب على السعودية

لم يخل خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله الأخير من نبرة استعلائية تعكس ثقة الحزب في سيطرته على زمام الأمور في لبنان، الذي تحوّل تدريجيا إلى منصة هجوم رئيسية تستهدف مناوئي المشروع التوسعي الإيراني وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، ويرى مراقبون أن هذه الثقة اكتسبها الحزب من ضعف القوى اللبنانية وانغماس الأطراف الدولية والإقليمية في ملفات كبرى تدمي المنطقة.
الأحد 2016/10/16
مرشد لبنان

بيروت – أعلن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في خطابه الأخير الحرب على المملكة العربية السعودية كعنوان رئيسي لرؤية الحزب وبنك أهدافه في هذه المرحلة.

وحرص نصرالله أن يتخذ من اليمن ذريعة لإطلاق هذه الحرب حيث احتلت الأزمة اليمنية صدارة الخطاب. وبدت الساحات الأخرى السورية والعراقية رديفة وثانوية أمام ساحة المواجهة الرئيسية التي شكّلت عصب خطابه وروحه.

وكان من اللافت ذلك الحرص الذي أبداه على فصل هذا الهدف الأكبر عن منطق إدارة الملفات الداخلية اللبنانية، وكأنه يقول مباشرة إن الشأن اللبناني بات في يد الحزب بالكامل، وإنه يحق له وحده التصرف فيه وإدارته على هواه بمعزل عن الحرائق الإقليمية.

ويبني نصرالله طرحه هذا على انحسار الاهتمام الإقليمي بلبنان، ما يعني بالنسبة إليه أنه قد أعطي تفويضا مطلقا بإدارة زمام الأمور فيه. وارتأى تاليا أن يوزع الأدوار على القوى السياسية اللبنانية بشكل يضمن له أن تدار شؤون الدولة لصالحه في حين ينصرف إلى إدارة معاركه الإقليمية.

وهكذا يحصر نصرالله الخيارات بين الاستمرار في الفراغ، وبين تركيب دولة تحكم لصالحه، وتعبّر عن توجهاته المنخرطة في صراع مفتوح مع السعودية ومع المحيط العربي ومقطوعة العلاقات مع العالم.

ولم تكن مواقف الرجل هذه مجرد رسائل ولكنها تعبير عن مسارات كبرى تفتح على اتجاهات عديدة وخطيرة تفيد بأن الحزب بات قادرا على تركيب خريطة طريق يكون فيها في حرب مباشرة مع السعودية، ومشاركا في الحرب في سوريا، ومتدخلا في العراق واليمن، دون أن يكون لأيّ طرف لبناني الحق في مساءلته عن هذه التدخلات، ودون أن تؤثر على منطق وطريقة وشكل إدارة الملف اللبناني.

وكل هذا يعني أن حزب الله يشكل البلد على صورة لن يكون ممكنا فيها سوى أن يكون بلدا مواجها للسعودية، وخاضعا لأولويات المعركة المفتوحة معها والتي أطلقها نصرالله.

ولا تبدو السعودية مهتمة بمواجهة هذا الأمر على الساحة اللبنانية، بل تبدي اهتماما أكبر بمواجهة الخطر الأقرب إليها في اليمن، كما أن كل ما يظهر من السياسات السعودية يثبت أنها قد انتقلت من دولة الهبات والمكرمات، والتي لم تنتج واقعا سياسيا ولا اقتصاديا صلبا داعما لها في الوسط اللبناني، إلى سياسة السعودية أولا.

نصرالله يحصر الخيارات في لبنان بين الاستمرار في الفراغ، وبين تركيب دولة تحكم لصالحه، وتعبر عن توجهاته المنخرطة في صراع مفتوح مع السعودية ومع المحيط العربي ومقطوعة العلاقات مع العالم

ويمثل هذا الواقع السعودي الجديد في ظل إعلان الحرب عليها من لبنان والذي أطلقه الأمين العام لحزب الله شكلا جديدا لمقاربة الأزمات في المنطقة عموما وفي لبنان خصوصا.

وهذه الحرب المفتوحة على السعودية انطلاقا من لبنان مرّت دون وجود أيّ ردة فعل عملية تواجهها سوى خطاب استنكار وشجب من قبل رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، ما يعني أن الاستثمار السعودي في لبنان كدولة مواجهة لإيران ولحزب الله ليس مجديا.

وهكذا تتخذ التسويات التي يحكى عنها في ظل ما يطلبه نصرالله صيغة إخضاع يمكن من خلال القبول بها الإتيان بالجنرال ميشال عون رئيسا وبسعد الحريري رئيسا للحكومة. وتقضي هذه الصيغة بأن يسلم عون كل مفاتيح قوة الرئاسة له عبر تفاهمات مسبقة تخنقه وتخنق عهده، وأن يسلم الحريري مفاتيح الحكومة له عبر معادلات توازي الثلث المعطل الذي يعطيه ليس حق الفيتو وحسب، بل السيطرة المسبقة على كل الوزارات المهمة والقدرة على التحكم الكامل بقرار الحكومة.

وهكذا يصمم نصرالله دولة مواجهة السعودية من خلال الإمساك بالرئاسات الثلاث وإدارتها لصالحه ولصالح حربه ضد السعودية.

ومن هنا فإن سعد الحريري كرئيس للحكومة لن يكون شاء أم أبى سوى مدير شؤون هذه الحرب. بالمقابل إن رفض التسويات سيضع الأخير، والذي اعتبره نصرالله في خطاباته الأخيرة القابض على مفتاح الحلول في الشأن الرئاسي، معطلا للانتخابات الرئاسية وسيدخله في مواجهة مفتوحة مع المسيحيين، ومع الجنرال ميشال عون المستعد للقبول بالسلطة، وبما هو أكثر من السلطة التي يطالب بها نصرالله عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري من أجل الوصول إلى سدة الرئاسة.

وفي تعقيب له على خطاب نصرالله الأخير يقول النائب عن كتلة القوات اللبنانية أنطوان زهرا إن الخطاب يؤكد على “أن الفصل ممكن بين الداخلي وبين الإقليمي مع أن هذا الأمر مستبعد”.

ويشير إلى أن الخطاب ينطوي على “استكبار واضح يتجلى في نصحه للجنرال ميشال عون بأن يذهب ويتفاهم مع الرئيس نبيه بري ومع النائب والمرشح الرئاسي سليمان فرنجية. وهذا الخطاب لا يعكس واقع الحزب المأزوم جراء مشاركته في القتال في ميادين متعددة في سوريا والعراق واليمن”.

ويؤكد زهرا أن هدف الحزب كما انعكس في الخطاب هو “وضع اليد على لبنان بالكامل دون شراكة مع أحد، وهو يستعمل الأزمة الإقليمية للإيحاء بأن ذلك ممكن، ويستند من أجل تحقيق أهدافه على القوة العسكرية، وعلى ميل الأطراف الأخرى في البلد إلى التسويات”.

وحول الأسباب التي تقف وراء تفاؤل التيار الوطني الحر بعد خطاب الأمين العام لحزب الله بقرب وصول الاستحقاق الرئاسي إلى خواتيمه السعيدة وانتخاب الجنرال عون رئيسا يقول زهرا “هذا التفاؤل يعود إلى الوعد الذي تلقاه التيار من الحريري بترشيح عون، وهو يعتبر أنه في حال فعل الحريري ذلك رسميا فإن الحزب سيكون محرجا، ولن يستطيع الاستمرار في التعطيل”.

ويرى النائب عن تيار المستقبل أحمد فتفت أن نصرالله “ليس في وارد الفصل بين ما يجري في المنطقة وبين مسار الأمور في الداخل، وخطابه يقول إن لا تسويات في المنطقة وإنه لديه أولوياته المتعلقة بدعم المشروع الإيراني، وهو ليس معنيا تاليا بالعمل على إنجاز تسويات في الداخل”.

ويؤكد فتفت أن “كلام نصرالله الموجه إلى الداخل والداعي إلى تفعيل الحكومة والمجلس النيابي” هو دعوة صريحة لإبقاء الأمور على ما هي عليه”.

ويشدد النائب عن كتلة المستقبل على أنه “ليس هناك ما يشير إلى قرب انتخاب الجنرال عون رئيسا، ولكن على كل الأحوال فإنه لا أوهام لدينا في أن وصول الجنرال إلى الرئاسة بالصيغة التي يطرحها نصر الله، سيكون بمثابة الإعلان عن كونه قد وضع يده مباشرة على المنصب الأول في البلد بصرف النظر عن الخطابات التطمينية الانتخابية التي يطلقها التيار”.

صحافي من لبنان

3