نصرالله يرفض عون الذي رشحه جعجع!

الاثنين 2016/02/01

بذل السيد حسن نصرالله جهدا كبيرا في خطابه الأخير كي يقنعنا بأن كل شخصية سياسية، وكل تحالف يبنى في لبنان، إنما يبنى على أساس ثنائية متناقضة يمكن أن نسميها ثنائية التقية والصدق، أو ثنائية التقية والوفاء، أو ما شابه ذلك. تقوم عناصر هذه الثنائية في فكر السيد على قاعدة مفادها أن كل ما تتفق عليه الشخصيات السياسية مع بعضها البعض ينقسم إلى قسمين: الأول تمليه التقية وهو ما تتفق عليه أي شخصية مع أخرى، والآخر يتشكل على أساس الصدق والوفاء، وهو ما يتم الاتفاق عليه معه.

هكذا يقول نصرالله، بوضوح، ليس فقط أنه غير معني ببنود الاتفاق التي وافق عليها الجنرال ميشال عون إثر ترشيح سمير جعجع له، بل يعلن، بوضوح، أن لا قيمة ولا معنى لهذا القبول، ولا وزن سياسيا له. موافقة الجنرال عليها مشروعة كونها تستجيب لنهج التقية السياسية والأخلاقية، التي انتقلت مشروعية ممارستها، وتحولها إلى إطار ناظم للعلاقات والتفاهمات من الحزب إلى الجنرال.

هكذا نكون أمام جنراليْن، واحد رشحه جعجع وهو لم ولن يكون رئيسا أبدا، لأن النقاط العشر التي وافق عليها، تعني بشكل لا يقبل التأويل دعوة صريحة إلى استئصال ظاهرة حزب الله وآثارها في الحياة السياسية اللبنانية، وإدانة صريحة لتدخل الحزب في سوريا، ورفضا واضحا لتحميل لبنان تبعات السياسة الخارجية للحزب.

الجنرال عون الثاني الذي رشحه السيد حسن نصرالله ويريده رئيسا، هو ذلك الجنرال الذي يعبر خلال لقاءاته مع السيد عن مواقف تتناقض جوهريا مع تلك التي وافق عليها مع سمير جعجع، وهذه المواقف هي التي يقوم على أساسها ترشيح السيد للجنرال. المفارقة المدهشة تكمن في أن الجنرال كان قد وافق على نقاط جعجع علنا، في حين أن حشد المواقف التي يوحي السيد بأن الجنرال أطلقها في لقاءاته معه سرية. هكذا يضعنا السيد أمام ترشيح سري معلن مبني على أساس مواقف مكتومة، يمكن للتأويلات أن تذهب بها في اتجاهات شتى، ويمكن للسيد أن يخرج في أي لحظة ويعلن أن الجنرال كان قد أعلن موافقته على نقطة معينة، أو أطلق موقفا ما يتعلق بمسألة خلافية حساسة، دون أن يستطيع أحد معرفة إذا كان الجنرال قد وافق فعلا على هذه المواقف أم لا.

الجنرال عون لن يكون قادرا على التكذيب أو التصحيح لأن العلاقة مع حزب الله لا تسير وفق القواعد الطبيعية والعادية للعلاقات السياسية. السيد كان قد رسم إطارا جديدا لها مستقى من تاريخ الرومانسية العالمي حين قال “العلاقة اللي بتنشأ بتصير علاقة عاطفية. بصير في ود”.

طبعا لا مجال للشك بعد ذلك في منطق العلاقة حيث أن العشاق يغفرون لبعضهم كل شيء. طبيعة العلاقة العشقية هي ذات طابع إلهي ينسجم مع طبيعة الحزب، حيث تفقد المفاهيم الأرضية من قبيل الصدق والكذب معناها، ولا تعود صالحة لتشكيل إطار ينظم العلاقات.

يسحب السيد هذا المنطق على الجميع وليس فقط على الجنرال عون، فيعمد كذلك إلى خلق نسختين من رئيس المجلس النيابي ورئيس حركة أمل نبيه بري. النسخة الأولى هي التي يعرفها الجميع وهي خاضعة في كل حركاتها وسكناتها لإملاءات الحزب، والشواهد الواقعية على وجودها غزيرة بغزارة المواقف والممارسات السياسية، خلال مراحل تمتد على مساحة ربع قرن من الزمن. السيد لا يعترف بهذه النسخة.

النسخة الثانية التي يعترف بها الحزب هي نسخة مستقلة في قراراتها، ولا تخضع في مواقفها لأي إملاءات من أي جهة، والعلاقة معها تقوم على أساس التنسيق والاحترام المتبادل.

الغرض من خلق هذه النسخة من نبيه بري في هذه اللحظة، هو إتاحة المجال لتركيب الحلف المعطل للانتخاب بشكل عام، وانتخاب الجنرال بشكل خاص. الرئيس نبيه بري الذي أعلن مواقف متمايزة عن الحزب، وعبّر بوضوح عن تفضيله لسليمان فرنجية، هو ذلك الطرف المستقل الذي يحتاج السيد إلى وجوده بهذا الشكل حاليا، حتى يمكن له تحقيق ربح مزدوج، يقوم على الاستمرار في تعطيل الانتخابات، مع بيع الجنرال تأييدا علنيا لا معنى فعليا له، ولا يمكنه الإتيان به رئيسا.

غرام السيد بالثنائيات تجلى في تعامل مغاير مع النائب وليد جنبلاط حيث أعلن، بوضوح، أنه لا وجود لثلاثة مرشحين، بل لمرشحين إثنين هما سليمان فرنجية والجنرال عون فقط. هذا الكلام ينطوي على رسالة تحذير لجنبلاط في حال حاول لعب دور مغاير للمسارات المرسومة، والتي تصب في خانة خلق شرخ إسلامي مسيحي، وتسمح بظهور حزب الله كطرف حريص على مصالح المسيحيين وضامن للسلم الأهلي.

هكذا تنتقل عناصر الصراع من الخلاف السياسي بين مشروعيْن إلى صراع مسيحي إسلامي تتشكل عناصره من ثلاثية نبيه بري، وتيار المستقبل، ووليد جنبلاط في مواجهة الثنائية المسيحية المؤلفة من تحالف سمير جعجع وميشال عون.

كان السيد نصر الله شديد الوضوح، فهو لم يرفق ترشيحه للجنرال بدعوة عاجلة إلى النزول إلى المجلس النيابي وانتخابه، بل أعلن أن الترشيح لا يعني وصول الجنرال. ذهب بعيدا في رفض الاستعجال ومديح التمهل، إلى درجة أنه أوحى لتيار المستقبل بأنه يحق له ممارسة ما كان يقوم به من تعطيل الانتخاب، عبر الامتناع عن الحضور.

ربما يظهر الموقف النهائي الواضح للسيد في تعبيره عن اقتناعه بمتانة وضع حزبه إقليميا ودوليا عبر تحول إيران إلى دولة عظمى. هكذا لا يكون الجنرال عون الذي يرشحه للرئاسة رئيس انتصار خيارات المسيحيين، ولا رئيس التسويات، بل رئيس البرميل المنتصر على كل شيء، من السياسة، إلى الأخلاق والإنسانية.

علاقة السيد بالجنرال وبالاستحقاق الرئاسي تشبه علاقة البرميل المتفجر بضحاياه، فهي علاقة مماثلة لمعنى علاقات السيد السياسية العاطفية، فالسيد يعشق الجنرال كما تعشق البراميل المتفجرة الموت والدمار اللذين تتسبب فيهما.

8