نصر عارف مفكر مجدد يمشي على خطى بن نبي وشريعتي وإقبال

السبت 2016/10/29
نصر عارف: التنمية هي الحل

أبو ظبي- يعدُّ نصر محمد عارف من القلائل في العالم الإسلامي الذين يدرسون التاريخ والتراث والحضارة عبر سياقها الزمني، وعبر أنساقها العرفية، وتراكمها وبيئتها وأهلها، فهي بالنسبة إليه ليست محلّ نزاع ولا خصومة، وليست لديه أيضا تركة يجب تصفيتها من أجل منافع ومكاسب لورثة شرعيين لكنهم سفهاء أو غير شرعيين ودخلاء.

إنها حركة متواصلة للفعل الثقافي، وللتطور الابستيمولوجي، تؤسّس عليها، ضمن اختيارات واعية ودقيقة، النظرية والمنهج والصيرورة، وهو على هذا النحو يُصنّف ضمن حركة التجديد، التي عرفها العالم الإسلامي، في منتصف القرن الماضي، لدرجة يخيل إليَّ وأنا أجلس مُسْتمعا إليه، ومتابعا لكتاباته الأكاديمية والصحافية، أنه يكمل مشوار مالك بن نبي وعلي شريعتي ومحمد إقبال. إنه والحال تلك مجدّد يقرأ التراث من أجل التأكيد على حقيقة جليّة هي أنه “ابن عصره”.

السياسة وحركة التاريخ

خلال عمره البحثي الذي تجاوز الـ32 عاما، تناول جملة من القضايا لم يجعلها رهينة السياسة، في حركة تحرر مقصودة من التخصص الأكاديمي. مع أنه يستدعيه عند الضرورة، وعند الحاجة، وعند المأزق، وعند الأزمة، ويُبسِّطه لغير أهل الاختصاص، ويُعمِّقُه ويعْلِي من شأنه عند حضور أهله من صنّاع القرار والأكاديميين والباحثين عموما.

من هذا المنطلق تمكن قراءة وفهم كتب عارف ودراساته العلمية وأوراقه البحثية ومقالاته في مواضيع متعددة ومتنوعة، منها على سبيل المثال “الأنساق المعرفية”، و”التنمية السياسية”، و”نظم الحكم”، و”السياسة المقارنة” و”النظام السياسي المصري”، و”الفكر السياسي الإسلامي”، و”الحركات السياسية الإسلامية”، و”الأوقاف”، و”مناهج التعليم ما قبل الجامعي” وغيرها.

الصعيدي العالمي

مُحمّلا بزاد معرفي باللغتين العربية والإنكليزية أولا، يأتي عارف مزوداً بتجربة أكاديمية من خلال تدريسه في جامعات القاهرة، وجورج تاون، وجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا بالولايات المتحدة الأميركية، وجامعة زايد بالإمارات العربية المتحدة. وبتجربة عملية كبيرة كونه ظل مستشار وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بدولة الإمارات للعديد من السنوات، ثم بتجربة إدارية، من ذلك إدارته للمعهد العالمي للفكر الإسلامي في القاهرة، ورئاسته قسم الحضارة الإسلامية بجامعة زايد.

ورغم تعدد اهتمامات نصر عارف وانشغالاته البحثية ـوهو أستاذ العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرةَـ إلا أنه بقي وفيا محافظا على جملة من الثوابت، التي تبدو واضحة في كتاباته ومحاضراته، وهي خليط جميل وجذاب بين الأخلاق والعلم والعقل وفلسفة الجمال، منها أنه ابن بيئته، الصعيدية المصرية العربية المسلمة العالمية، دون أن يظهر أيّ تناقض لديه عند الدفاع أو الاحتماء بتلك البيئات.

نصر عارف يشخص أزمة العرب الراهنة في دراسة له بعنوان "الأسس المنهجية للإصلاح التعليمي في العالم الإسلامي"، بأن أهم ما تعانيه النخب الثقافية والسياسية العربية هو الانفعالية، والوقتية، والتفكير قصير الأجل، والتعامل مع القضايا الكبرى بمنهج تسطيحي يغرق في التفاصيل ولا يستطيع الوصول إلى الأسباب والجذور العميقة

أسلوب المخاطبة لدى عارف تحدده العقول المستقبلة للأفكار، لجهة التبسيط أو التعقيد، لكن محتوى الأفكار واحد، يمكن معرفة ذلك من خلال المقارنة بين مقالاته في الصحافة، ومحاضراته وندواته للمتخصصين، أو حتى لغير المتخصصين، وكتاباتة البحثية المعتمدة على النظرية والمنهج.

ويأتي طرحه لقضايا الناس من خلال زمنها الراهن، حتى عند الحديث عن التراث، فهو دائما يستحضر منه ما يفيد في الوقت الحاضر. ثم تدريسه لمواضيع متنوعة من مناهج البحث إلى نظم الحكم، والتنمية السياسية، وحركات الإصلاح والتجديد، والفكر السياسي الإسلامي، والفكر السياسي العربي الحديث، وقضايا المرأة. كل هذا لم ُينْسِه دوره في المجتمع من منطلق أنه مثقف فاعل، وهو في هذه الحالة لا يرزح تحت أغلال قيود البحث العلمي، بل يحوّل البحث والتدريس، والعمل الأكاديمي بشكل عام، إلى عوامل مساعدة على تبسيط المعرفة.

أزمة النخب

يُشخِّص عارف أزمتنا الراهنة في دراسة له بعنوان “الأسس المنهجية للإصلاح التعليمي في العالم الإسلامي”، بالقول “لعل أهم ما تعانيه النخب الثقافية والسياسية العربية هو الانفعالية، والوقتية، والتفكير قصير الأجل، والتعامل مع القضايا الكبرى بمنهج تسطيحي يغرق في التفاصيل ولا يستطيع الوصول إلى الأسباب والجذور العميقة؛ لذلك لم تتمكّن هذه النخب من تجاوز أيّ أزمة من الأزمات التي واجهتها المجتمعات العربية على مدى قرنين من الزمان، وفي كثير من الأحيان تكون الحلول مأزومةً أو مأزّمةً للواقع؛ بل إنّ هذه الحلول قد تؤدي إلى تفجير أزمات جديدة دون أن تسهم في تجاوز المشكلات التي جاءت أصلاً لحلِّها”، ولكن هل يطرح نصر عارف حلاّ لهذا النوع من الأزمة؟

يقدم رؤية، يشرحها على هذا النحو، أننا إذا جئنا للواقع الإسلامي، فسنجد أننا في حاجةٍ إلى وضع منهج تعليمي يعمل على ترسيخ القيم الإيجابية، التي تُسْهِم في تكوين إنسان تنموي قادر على القيام بعملية النهوض الحضاري الإسلامي في عالم معقّد متشابك، هذا المنهج ينبغي أن يكون قائماً على التعلّم الذاتي وليس التلقين، والتعليم غير المباشر وليس الوعظ المباشر، والنظر إلى العملية التعليمية كعملية متشابكة يجب أن تحقّق الانسجام الأفقي والرأسي بين مكوّناتها.

وفي الوقت نفسه يستطيع المنهج الفكري أن يحقّق جملة من الغايات، منها التفكير النقدي والتشجيع على استخدام العقل وممارسة التأمل والتفكر، وعدم قبول أيّ شيء دون التفكير فيه والاقتناع به. وعدم وضع أيّ فكرة أو معلومة إلا إذا كانت هناك قيمة إيجابية تحققها.

نهج عارف يقوم على التركيز على قيم الانفتاح العقلي وقبول الآخر

ويأتي في السياق ذاته تقديم جميع مكوّنات الدراسات الإسلامية بما فيها القرآن والسنة بصورة تركّز على المردود الاجتماعي لها، والدلالات التنموية التي تحققها. ثم الاعتماد على التعليم غير المباشر أو مفهوم التعلّم الذاتي، حتى يكون التلميذ هو محور العملية التعليمية.

لا بد، حسب عارف، من التركيز على قيم الانفتاح العقلي وقبول الآخر، وتدريب الطفل على قيم المساواة بين الرجل والمرأة. وتقديم الإسلام على أنه نموذج حياة معاصرة يسهم في تكوين إنسان متحضر. مع التيقّظ الشديد لتحقيق التناغم والانسجام بين مكونات المنهج والقيم الواردة فيه، حتى لا يكون هناك صراع أو تناقض بين القيم كما هي العادة في الخطاب الإسلامي المعاصر.

الطرح السابق جزء من رؤية شاملة يدعو فيها عارف إلى قراءة متجددة لكل قضايانا، وخاصة لتلك التي هي محل خصومة وخلاف بين المجتمعات المسلمة والنخب التنويرية من جهة وبين الجماعات الإسلامية المتطرفة من جهة ثانية، وهي تلك التي يسميها “إشكالية الطرح السياسي للإسلام” وما يترتب عن ذلك من مخاطر ومزالق لأنه يتعرض للبنية الفكرية للحركات الإسلامية المعاصرة.

وحين يتناول عارف هذا النوع من المواضيع، فهو لا يتكلم من فراغ، لأنه قادم من دراسة التاريخ والتراث. ولكثرة ما يورد من أمثلة مؤسسة على أطروحات معرفية لمرجعيات أمهات الكتب، يجعل القارئ والمستمع في حيرة من توظيف الزمن لدى هذا المفكر، وهو يتحرّك ضمن فضاء الماضي والحاضر الإسلاميين، وبالتي فهو لا يترك التاريخ حكرا لقوى ظلامية أو أخرى مدّعية أو مشوّهة للحقائق لجهل أو بقصد، وأيضاً فإن اطّلاعه على المدارس الغربية مكنّه من المقارنة، وهو هنا يرفض التخلي عن المنجز المعرفي للبشرية، إلا ما كان منه مخالفا لروح الدين أو معاديا للأمة والحضارة.

النسق الاجتماعي

من بين القضايا التي يطرحها عارف، وهي في غاية الأهمية، لأنها تكشف دلالات الدولة والمواطنة في تاريخ المسلمين، هي ما يعرّفه بالنسق الاجتماعي الإسلامي، حيث يرى أنه ظل محافظا على نمطه المتوارث، وهو أن أيّ دولة لها دور محدد وهامشي جدا في المجتمع، يقابلها مجتمعٌ قويٌ صحيح في ذاته، فإذا انحدر وضعف جسده؛ فإن ذلك الضعف يكون تلقائيا وليس بعامل قهر أو عن طريق إضعاف الدولة له.

لحظات انحدار الدول في التاريخ الإسلامي، حسب عارف، لم يصاحبها انحدار في المجتمعات؛ مما يعني أن كلا منهما له خط صيرورة وتطور مستقل؛ فعندما انحدرت دولة المماليك في مصر وانهارت عسكريا أمام الأتراك، أخذ الأتراك الصناع المصريين لبناء حاضرة الدولة العثمانية؛ فمعنى هذا أن المجتمع قوي رغم ضعف الدولة وانهيارها، وهكذا

يقول عارف إن لحظات انحدار الدول في التاريخ الإسلامي لم يصاحبها انحدار في المجتمعات؛ ممّا يعني أن كُلاُّ منهما له خط صيرورة وتطور مستقل؛ فعندما انحدرت دولة المماليك في مصر وانهارت عسكريا أمام الأتراك، أخذ الأتراك الصنّاع المصريين لبناء حاضرة الدولة العثمانية؛ فمعنى هذا أن المجتمع قوي رغم ضعف الدولة وانهيارها، وهكذا.

وبناء على المثال السابق وأمثلة أخرى يذكرها في العديد من المقالات والمحاضرات، ينتهي عارف إلى الرأي التالي: إننا إذا أردنا أن نرصد تاريخ الإسلام فلا ينبغي أن نرصد تاريخ الطبقة الحاكمة أو القصر السلطاني أو القصر الأميري ومن يحيط به، كما فعل كل مؤرخي الإسلام من الطبري وابن كثير وابن الأثير، بل إذا أردنا أن نفهم المجتمع فلا بد أن ندرس تاريخاً ثالثاً هو تاريخ المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية في الإسلام، وكيف كان يدار المجتمع اقتصاديا واجتماعيا.

ولعل ما أضافه الأمير شكيب أرسلان في كتاب “حاضر العالم الإسلامي” يمثل مقدمة في هذا الشأن؛ ذلك أنه ركّز على التاريخ الوسيط ما بين تاريخ الطبقة الدنيا وتاريخ الطبقة العليا، وقدّم تاريخ المؤسسات الاجتماعية أثناء الفترة المحيطة بالحملة الفرنسية وما قبلها وما بعدها.

ما يطرحه نصر عارف من أفكار عميقة تحمل رؤية تنويرية، يراه البعض مجرّد تنظير يخص النخب المثقفة، رغم المحاولات الجادة والواعية التي يبذلها من أجل تبسيط تلك الأفكار لجمهور واسع من القراء.

لم يؤسس هذا المفكر ذو الذهنية المتقدمة فريقا يتحمّل أمانة هذه الأفكار ترويجا وتطبيقا، وهنالك ملاحظة هامة من بعض الأكاديميين المصريين، وهي أن وجود نصر عارف خارج مصر لسنوات، ترك فراغا على مستوى جامعة القاهرة لا يمكن ملؤه بغيره، كما لا ينفع طرح أفكاره عن بعد رغم توفّر وسائل التواصل في زمن تدفّق المعلومات.

12