نصر للعقلانية درس في الواقعية

لم يفوت هذا "الديك" الفرنسي كل الممهدات التي عبدت أمامه الدرب لرفع اللقب.
الثلاثاء 2018/07/17
الواقعية تفوز

انتهى الدرس في روسيا بسرعة البرق، شهر كامل من المنافسات المتتالية و64  مباراة قدمت أطباقا مختلفة بنكهات متباينة زادت في متعة هذا الحدث الذي سيتحسر كل عشاقه عبر أصقاع الكوكب على نهايته بهكذا سرعة.

لقد مرّ الحدث بلمح البصر وكأنه طيف، كأنه ضيف يأبى أن يمكث طويلا حتى يظل دوما “خفيف الروح”، هكذا هي المنافسات “المونديالية”، يظل الجميع ينتظرها بتعطش كبير وشغف أكبر طيلة أربع سنوات طويلة ثقيلة، لكن عندما يحين الموعد، ينقضي اللقاء بسرعة دون أن ننتبه، يباغتنا الرحيل ويصيبنا الإحباط لمغادرة حبيب، هو هكذا المونديال، يطيل السفر وحين يأتي ينتهي اللقاء ليضرب موعدا بعد أربعة سنوات أخرى.

الأحد انتهى “العرس” الروسي، باح بكل أسراره فأتحف المنتخب الفرنسي بنجمة مونديالية ثانية، مكنهم هذا المونديال من الارتقاء إلى الصف العالمي الأول مجددا بعد غياب لم يدم أكثر من 20 سنة تاريخ حصولهم على كأسهم الأولى في المونديال الذي أقيم بفرنسا قبل عامين من بداية الألفية الثالثة.

الأحد 15 يوليو حصد المنتخب الفرنسي الفتّي ثمار جهوده طيلة مباريات المونديال، صحيح أنه لم يقدم عروضا قوية للغاية من حيث الفرجة والمتعة والجمالية، لكنه جنى ثمار واقعيته المدهشة وكذلك “عقلانيته” في التعامل مع الفرصة التاريخية التي أتيحت له.

المنتخب الفرنسي لم يرفض الهدية التاريخية ومضى في طريقة واثق الخطى يتهادى بثبات نحو اللقب، لم يفوت هذا “الديك” الفرنسي كل الممهدات التي عبدت أمامه الدرب لرفع اللقب.

لقد أظهر منتخب “الديكة” من الحكمة والعقلانية وكذلك الواقعية ما خول له أن يتجاوز كل منافسيه ببراعة، ولعل العلامة الكاملة في هذا المونديال يجب أن تمنح للمدرب ديدييه ديشامب الذي صبر وصمد أمام كل الانتقادات، نفذ كل مخططاته حتى وإن كانت غير مقنعة قبل المونديال، فتجاهل عددا كبيرا من النجوم مقابل منح الفرصة للبعض الأخر، فوفّق كثيرا وحصد نجاحا كبيرا.

وفّق في تشكيل فريق قوي شعاره الواقعية، إذ يتعامل مع كل مباراة وفق مقتضياتها وخصوصيات المنافس، حتى في المباراة النهائية لم يفوت في الفرصة، فمواجهة منتخب كرواتي منهك أصابه الإعياء كان يتطلب بعض الحكمة، فتقدير المنافس حق قدره والخشية من “وحش” متعب وعدم التعامل معه بتهور هو الأساس في هذه العقلانية الفرنسية.

هكذا فازت فرنسا باللقب، فالقطع مع “الفلسفة” المفرطة والبحث عن طرق لم تعد تجدي نفعا في العالم الكروي المعاصر كان جوهر التفوق الفرنسين ولهذه الأسباب استحق منتخب فرنسا أن يسبق الجميع في مونديال روسي بدا عادلا إلى أبعد الحدود.

كان عادلا ومنصفا مع عدد من اللاعبين وخاصة المنتمين لهذا المنتخب الفرنسي، فلاعب مثل بول بوغبا نفض عن نفسه غبار العراقيل التي مرّ بها مع فريقه مانشستر يونايتد، فعاد من جديدا “غزالا” رشيقا أنيقا في تحركاته، كذلك كان الحال مع نغولو كانتي الذي بات القلب النابض لوسط ميدان فرنسا.

الأمر ذاته ينطبق على الهداف غريزمان الذي طوّع “غطرسته” وحوّل كسله إلى شعلة من النشاط، فبدا مثل “بركان في عز نشاطه”، وخاصة في المشهد الختامي، تماما مثل ذلك الشاب الرائع كيليان مبابي.

مبابي هذا المبدع كان بمثابة “كلمة السر” في المنتخب الفرنسي، كان رغم صغر سنه وقلة خبرته أشبه بـ“محرك عظيم” يجر القاطرة الفرنسية نحو الفوز تلو الآخر.

كلها معطيات ومقومات صنعت النصر الفرنسي وأهدته لقبا غاليا في مونديال لم يعترف سوى بعرق “المجتهدين” و“العقلانيين”.

ربما لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن ينجح المنتخب الفرنسي بعد مباراة أولى باهتة ضد المنتخب الأسترالي ومباراة ثانية متواضعة ضد منتخب البيرو ومباراة ثالثة سيئة ضد المنتخب الدنماركي، وأن يصل إلى المباراة النهائية في هذا المونديال، لكن واقعية ديشامب ولاعبيه ظهرت بشكل جلي في المباريات اللاحقة. ظهر ذلك في التلاعب بطموحات المنتخب الأرجنتيني وذلك العرض الباهر من الناحية الهجومية في تلك المباراة، تأكدت العقلانية وبرزت النجاعة في المباراة الموالية ضد الأوروغواي، ففي مواجهة منتخب يعتبر الأقوى من الناحية الدفاعية في هذا المونديال، لاحت نقاط قوة المنتخب الفرنسي.

23