نصف الجزائريات يدركن مرحلة العنوسة

الاثنين 2015/02/23
ظاهرة العنوسة تنخر المجتمع الجزائري

الجزائر - رغم اجتهادات الفعاليات المدنية والجمعيات الأهلية من أجل التقليص من حجم الظاهرة، إلا أن شبح العنوسة يطارد بقوة ملايين الجزائريات، لدرجة أن عددهن أصبح يفوق عدد سكان بعض الدول، إذ تذكر أرقام المعهد الجزائري للإحصاء في إحصائيات كشف عنها العام الماضي، أن عدد العوانس يفوق 11 مليون عانس، أي ما يعادل أكثر من ربع التعداد الجملي للسكان.

بات المجتمع الجزائري أمام مأزق حقيقي يضاف إلى مآزق أخرى فرضتها تعقيدات اجتماعية واقتصادية صعبة، وتحول مع تأخر السلطة كثيرا في علاجه إلى مستنقع لتفريخ مختلف الأمراض الاجتماعية وحتى الأخلاقية. فمع تأخر سن الزواج لدى الجنسين بحكم التطورات الاجتماعية، تشكل أزمتا البطالة والسكن وحتى الأزمة الأمنية الدامية التي عاشتها البلاد في تسعينات القرن الماضي، الروافد الرئيسية لتنامي ظاهرة العنوسة في الجزائر.

وتقول أرقام المعهد الجزائري للإحصاء أنه من بين 11 مليون عانس في الجزائر، هناك خمسة مليون فتاة تجاوزت سن 35 عاما، هن مشاريع عوانس، بالنظر للعادات والتقاليد التي تحكم المجتمع الجزائري، والتي تسير لترشيح فتيات بين 18 و25 عاما للزواج.

وتضيف الإحصائيات أن نسبة قليلة هي التي ترضى بالفتاة في سن الثلاثينات، الأمر الذي أدخل مقاييس جديدة في فرص الزواج الضئيلة للعانس، كالمنصب المهني والراتب الشهري والثروة والسيارة والبيت وغيرها من أجل القبول بها.

ويقول مختصون في علم الاجتماع والنفس، أن لـ ” العنوسة نتائج خطيرة على مستوى الفرد والمجتمع، حيث تشكل خطرا داهما يؤدي إلى الأمراض النفسية أو الانحرافات، ومصدرا لليأس والإحباط، خاصة بالنسبة للمرأة التي تعاني أكثر من الرجل بسبب العنوسة في مجتمع لا زال ينظر للمرأة العانس على أنها عالة على الأسرة، لا يمكن التخلّص منها إلا بالزواج”. إلى جانب كبت مشاعر الأمومة والأبوة والإقبال على أنواع مُبتكرة من الزواج السرّي.

مقاييس جديدة أدخلت على فرص الزواج الضئيلة للعانس كالمنصب المهني والراتب الشهري والثروة والسيارة

ويقول أستاذ علم الاجتماع حميد بوزيدي، أن ” الفتاة الجزائرية دفعت فاتورة غالية للتعقيدات الاجتماعية والتقاليد المادية وأزمتي البطالة والسكن، وحتى العشرية الحمراء ساهمت بدورها في تفاقم ظاهرة العنوسة، ففي حقبة التسعينات وأمام استشراء العنف المسلح والإرهاب تراجعت أرقام الزواج بشكل كبير، وبالتالي فإن جيل الفتيات اللاتي وصلن سن الزواج في تلك الفترة، حرم من الفرصة الذهبية، وبما أن قطار العمر لا ينتظر والعادات الاجتماعية لا ترحم، فإن الجيل المذكور شكل القاعدة الأولى لبروز الظاهرة وتفاقمها في الجزائر”.

وفي ظل غياب خطة شاملة تتضافر فيها جميع الجهود للتقليص من الظاهرة والتشجيع على الزواج، فإن أرقام المعهد حذرت من الارتفاع المُطّرد للعنوسة، بالتحاق 200 ألف فتاة سنويا بسن الزواج، مما يهدد حتى التركيبة الديمغرافية للبلاد، بتراجع المواليد ونسبة الشباب لصالح فئة الشيوخ، على شاكلة بعض المجتمعات الغربية.

ورغم تراجع نسبة البطالة بحسب الأرقام الرسمية التي تحصرها في حدود 10 بالمئة والمشروع الضخم لبناء السكن (مليوني وحدة سكنية)، فإن انعكسات ذلك لم تتجل بشكل واضح في حلحلة الظاهرة، حيث يبقى العزوف عن الزواج أحد المواقف الواسعة الانتشار لدى الشباب الجزائري، الباحث عن الغربة في الضفة الأخرى وعن الشقراء ذات العيون الخضراء في أوروبا.

وتقول الباحثة الاجتماعية آمال عيسى، “إن تحولات اجتماعية وثقافية عرفها المجتمع الجزائري، وتغير اهتمامات المرأة نفسها، كالانشغال بالتعليم والرغبة في الاستقلال المادي والمعنوي من الأسباب المساهمة في تفشي العنوسة، حيث رفعت الفتاة الجزائرية من سقف شروط الارتباط بفارس الأحلام ليتوافق مع مستواها وطموحاتها المختلفة، ومع مرور الأيام وتقلص فرص العثور على النموذج المثالي الذي ترسمه أحلامها الرومانسية، تصطدم مع شبح العنوسة يطاردها”.

200 ألف فتاة تلتحق سنويا بسن الزواج، مما يهدد التركيبة الديمغرافية للبلاد، بتراجع المواليد

وتضيف في بحثها الاجتماعي ” الخوف من فشل العلاقة الزوجية شكل سببا آخر للعنوسة بالجزائر، وتستدل بالأستاذة الجامعية نورة التي ترفض الزواج خوفا من الطلاق، فهي ترى أن التنازل عن مبدأ التوافق بينها وبين شريك المستقبل هو انتحار مؤكد، والنماذج المحيطة بها تؤكد لها قناعتها، على فشل العلاقات الزوجية التي يغيب فيها التوافق والاحترام بين الطرفين”.

وتابعت على لسانها “الكثير من المتزوجات يعشن الجحيم يوميا في صمت، وهذا ما لا أرضاه لنفسي، فأنا أفضل وصف العانس على أن يشار لي بالمطلقة، في المجتمع الجزائري”.

وأمام محدودية دور الجمعيات الأهلية والدينية في ثني الأولياء على عدم الغلو في المهور ومظاهر البذخ التي تثقل كاهل الشباب وتدفعهم للعزوف عن مشروع الزواج، ذهب بعض السياسيين لإطلاق مبادرة أثارت جدلا كبيرا لأنها تدعو لـ “تعدد الزوجات” للقضاء على العنوسة والآفات الاجتماعية الناتجة عنها، بالدعوة لإلغاء شرط موافقة الزوجة الأولى للزواج بالثانية، وحض الحكومة على تشجيع الشباب للإقبال على الزواج عن طريق إنشاء صندوق وطني لمساعدة الراغبين في الزواج وغير القادرين ماديا”.

وترى صاحبة المبادرة رئيسة حزب العدل والبيان نعيمة صالحي، أن ” السلطة مدعوة لإنشاء المجلس الأعلى للأسرة، من أجل الحفاظ على الأسرة الجزائرية، ودراسة كل المشاكل التي تهدد بنية المجتمع، وتأهيل الراغبين في الزواج عبر دورات تدريبية، تعرف بالحقوق والواجبات الزوجية، وكيفية مواجهة المشاكل بعد الزواج في مراحلها الأولى تحديدا، لتفادي خيارات الطلاق”.

21