نصف الصحافيين الأميركيين فقدوا وظائفهم في عهد الثقة بالإعلام

تشير أرقام وزارة العمل الأميركية إلى أن الصحف المطبوعة استغنت عن أكثر من نصف العاملين لديها منذ خمسة عشر عاما وحتى العام الماضي 2016. وتعكس هذه الأرقام التحول الكبير في صناعة الإعلام مع الانتقال إلى الإنترنت على حساب الصحافة المطبوعة في الولايات المتحدة.
الأربعاء 2017/04/05
الصحف تدفع ثمن التحول في صناعة الإعلام

نيويورك- عند الإعلان عن صفقة صحيفة واشنطن بوست الأميركية عام 2013، تداولت وسائل الإعلام العالمية النبأ على أنه بمثابة النهاية للصحف المطبوعة، وذهب أحد المتخصصين إلى حد اعتبار أن الصفقة “عمل خيري” من قبل جيف بيزوس صاحب التصنيف الـ19 في أكبر الثروات العالمية بحسب “لائحة فوربس”.

واليوم تؤكد إحصاءات وزارة العمل الأميركية حجم تراجع الصحف المطبوعة التي استغنت عن أكثر من نصف العاملين لديها منذ خمسة عشر عاما وحتى العام الماضي 2016. وقالت الوزارة الإثنين إن تراجع عدد العاملين في الصحف الأميركية المطبوعة بلغ 57.8 بالمئة بين يناير 2001 وسبتمبر 2016 مع إلغاء 238 ألف وظيفة. وفي الفترة نفسها تراجع عدد الشركات العاملة في قطاع الصحف بـ18 بالمئة لينتقل من 9310 إلى 7623 شركة.

وكان هذا التراجع كبيرا أيضا على صعيد المجلات وبلغ 42.4 بالمئة على مدى 15 عاما، لكنه كان أقل على صعيد الإذاعة وكان أقل بـ23.5 بالمئة في سبتمبر 2016 عما كان عليه في يناير 2001. وذكرت أرقام الوزارة أن التلفزيون وبعد تراجع بـ14.5 بالمئة بين 2001 و2009، عاد وسجل تحسنا كبيرا بنسبة 13.5 بالمئة منذ نوفمبر 2009. كما سجل قطاع نشر الكتب هبوطا بـ29.1 بالمئة في عدد موظفيه بين يناير 2001 وسبتمبر 2016.

الصحافيون فقدوا جوهر عملهم إلى درجة أن المعلومات الزائفة والشائعات أصبحت أكثر أهمية من الحقيقة المثبتة

في المقابل سجل قطاع النشر على الإنترنت زيادة في عدد الوظائف من 67.000 في العام 2007 إلى 206.000 في 2016. وتعكس هذه الأرقام التحول الكبير في صناعة الإعلام مع الانتقال إلى الإنترنت على حساب المطبوعات. حيث بلغ إجمالي خسائر الوظائف في قطاع الصحف المطبوعة والمجلات ونشر الكتب 333.781 ألف وظيفة أي ما يوازي النصف (50.2 بالمئة) على مدى 15 عاما.

ولا يعتبر المراقبون لمسيرة صناعة الإعلام هذه الأرقام مفاجئة، إذ لا يمر يوم دون أن تتحدث وسائل الإعلام عن إغلاق صحيفة أو مجلة، إضافة إلى أجراس الإنذار التي يدقها المختصون في كل أنحاء العالم عن مستوى التهديد الذي تمثله مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي هزت عرش الصحافة منذ سنوات. ويرى الصحافي الإسباني رامون لوبو أن الأزمة الاقتصادية عام 2008 قد استُغلت بشكل أو بآخر لطرد الصحافيين بهدف تقليص مصاريف الأخبار، بالإضافة إلى تجريدها من قيمها الأخلاقية وجودتها.

ويعتبر لوبو أن أزمة الصحافة مهدت الطريق لظهور العديد من المواقع الإلكترونية التي تفتعل أخبارا زائفة وتقدمها لجمهور متعطش لتغذية تحيزه وأفكاره المسبقة. وأضاف “في حقيقة الأمر فقد الصحافيون جوهر عملهم إلى درجة أن المعلومات الزائفة والإشاعات أصبحت أكثر أهمية من الحقيقة المثبتة”.

ويتساءل صحافيون إذا كانت الصحافة قد خسرت هذا العدد من الوظائف في وقت لم تكن تعاني من تدهور الثقة بوسائل الإعلام الأميركية، كيف سيكون الحال في ما بعد مع انعدام ثقة الجمهور بما ينشره الإعلام اليوم، وعدم السيطرة على تدفق الأخبار الكاذبة؟ حيث تظهر استطلاعات الرأي بشكل واضح أن الثقة بوسائل الإعلام الأميركية قد أصبحت منخفضة للغاية بل وقابلة للانهيار تماما وخاصة بين الجمهوريين أكثر من الديمقراطيين.

وصنف خبراء في الإعلام وسائل الإعلام الأميركية من بين قائمة الخاسرين العام الماضي، بل إنها تحتل رأس القائمة، ويخشى الأميركيون فقدان الثقة في الصحافة التي في نهاية المطاف تجلب المزيد من الضرر للأمة أكثر من أي عدو خارجي. ويثق 18 بالمئة فقط من الأميركيين في الأخبار الوطنية، و22 بالمئة فقط في الأخبار المحلية، وفقا لمركز بيو للأبحاث. وعلق الصحافي فينلي بيتر على هذه النتائج بالقول إن الأميركيين نسوا الغرض الأساسي من الصحف.

أزمة الصحافة مهدت الطريق لظهور العديد من المواقع الإلكترونية التي تفتعل أخبارا زائفة وتقدمها لجمهور متعطش لتغذية تحيزه وأفكاره المسبقة

وأضاف أن عدم الثقة في الصحافة ليس مسألة مزاح، فنقل المعلومات الخاطئة وسط الجهل بكيفية اتخاذ القرارات الصحيحة والسليمة سيقود إلى فشل الديمقراطية. ولا يمكن الحديث عن أزمات الصحافة الورقية في الولايات المتحدة دون الحديث عن الإنفاق الذي قل بشكل كبير بعد أن قلت الإعلانات التي تحصل عليها الصحف من 46 مليون دولار عام 2003 إلى 23 مليون دولار عام 2011، على سبيل المثال.

في حين أن شركتي غوغل وفيسبوك تخططان للسيطرة على أكبر نصيب في سوق الإعلانات الرقمية خلال العام الجاري لتستحوذا معا على 60 بالمئة من قيمة هذه السوق التي لا تتوقف عن النمو على حساب وسائل الإعلام التقليدية الأخرى، وفق ما توقعت شركة “اي ماركيتير” البحثية المعنية بالتجارة والإعلام والتسويق الرقمي.

وكان الصحافي الفرنسي برنار بوليه تناول العوامل التي تضر بالإعلام الورقي لصالح شركات الإنترنت، ولخصها بانخفاض في الميزانيات الإعلانية للصحف التقليدية واتجاهها نحو وسائل الإعلام الإلكترونية، إضافة إلى عدم اهتمام جمهور الشباب بالمطبوع، وتغير أنماط التفكير والقراءة لدى مجتمع المعرفة، إلى جانب انتصار ثقافة الحصول المجاني على كل شيء، وهذه هي الثورة التي تعصف بالصحافة المكتوبة في كل مكان.

وأوضح بوليه في كتابه “نهاية الصحف ومستقبل الإعلام”، “أن ديمقراطية الإنترنت فرضت فرزا للإعلام، من جهة معلومات غنية للأغنياء منتقاة ومنظمة ومحققة، ومن الجهة الأخرى معلومات فقيرة للفقراء مجانية وسريعة ومكررة لكنها آلية وخاضعة للعمليات الحسابية لأباطرة الإنترنت الذين يقدمون خدمات مجانية تسمح لهم بتسجيل بيانات كل مستخدم للشبكة”.

18