نصف النساء غير قادرات على اتخاذ قرارات بشأن أجسادهن

اختبارات العذرية والزواج في سن الطفولة تُجبر الفتيات على التخلي عن السيطرة على أجسامهن.
الأحد 2021/04/18
الاستقلالية الجسدية ما تزال مطلب النساء

رغم ما بلغته النساء من تطور إلا أنهن ظللن غير قاردات على التحكم بحرية في أجسادهن. ولم تستطع التشريعات المتقدمة منح النساء حق طلب الرعاية الصحية واستخدام وسائل منع الحمل. كما لم تجنبهن الخضوع إلى اختبارات العذرية، أو الزواج في سن الطفولة، أو تشويه الأعضاء التناسلية. وللافتقار إلى الاستقلالية الجسدية آثار هائلة تتجاوز الأضرار البدنية والنفسية لتصل حد احتمال انخفاض الإنتاجية الاقتصادية.

جنيف - أكد تقرير للأمم المتحدة أن حوالي نصف النساء والفتيات في البلدان النامية غير قادرات على اتخاذ قرارات بشأن أجسادهن مثل ما إذا كن يرغبن في ممارسة الجنس وطلب الرعاية الصحية واستخدام وسائل منع الحمل.

وأضاف أنه مع حرمانهن من الوصول إلى خدمات منع الحمل أو الإجهاض، أو الخضوع لتشويه الأعضاء التناسلية (ختان الإناث)، واختبارات العذرية، أو الزواج في سن الطفولة، غالبا ما تُجبر النساء والفتيات على التخلي عن السيطرة على أجسادهن.

وأكد نفس التقرير أن نحو 50 في المئة تقريبا من النساء في 57 دولة محرومات من الحريات المتعلقة بأجسادهن، لجهة العلاقات الجنسية أو من حيث استخدام وسائل منع الحمل أو الحصول على رعاية صحية.

انتهاكات

أورد التقرير الذي حمل عنوان “جسدي لي”، تفاصيل انتهاكات حقوق المرأة في هذه البلدان، من الاغتصاب إلى التعقيم القسري إلى فرض اختبارات العذرية وتشويه الأعضاء التناسلية. كما تناول منع النساء من اتخاذ القرار في شأن أجسادهن من دون خوف من العنف، أو من دون الخضوع لقرار شخص آخر.

وجاء في بيان صدر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان “لهذا فإن الافتقار إلى الاستقلالية الجسدية له آثار هائلة تتجاوز الأضرار الجسيمة التي تلحق بالنساء والفتيات”، ومنها “احتمال انخفاض الإنتاجية الاقتصادية وتقلص المهارات والتكاليف الإضافية لنظامي الصحة والقضاء”.

وأشار التقرير أيضا إلى أن 56 في المئة من الدول التي شملها الاستطلاع تمتلك قوانين وسياسات بشأن التربية الجنسية الشاملة.

وأحصى التقرير 20 دولة أو منطقة لديها قوانين تسمح للمغتصب بالزواج من ضحيته هربا من الملاحقة القضائية و43 دولة لا تتوفر فيها تشريعات بشأن الاغتصاب الزوجي. وأشار أيضا إلى أن أكثر من 30 دولة تفرض قيودا على خروج النساء من منازلهن.

راجحة عبود: حتى في فرنسا بين المجتمع المسلم هناك انتقاص للمرأة
راجحة عبود: حتى في فرنسا بين المجتمع المسلم هناك انتقاص للمرأة

وقالت راجحة عبود صحافية عراقية مقيمة في باريس إن المسألة لا تقتصر فقط على البلدان النامية، مشيرة إلى أنه حتى في فرنسا بين المجتمع المسلم هناك انتقاص للمرأة وهناك اختبارات للعذرية وهناك ختان للإناث في السر بعيدا عن رقابة القانون.

وأضافت لـ”العرب” أنه مادام الدين والعادات والتقاليد تتحكم في المجتمع مع غياب التعليم والتثقيف وسيطرة رجال الدين تبقى المرأة ضعيفة في المجتمعات النامية. وفي

بعض الأحيان تكون المرأة عدوة للمرأة وتساند فرض قوانين تنتقص من كرامتها لمجرد إحساسها بأنها تطبق القانون والشريعة والعرف العشائري.

وقررت الحكومة الفرنسية العام المضي قدما في قانون تقول إنه يستهدف الممارسات التي تتعارض مع قيم الجمهورية الفرنسية، مثل الزواج القسري وكشوف العذرية، على الرغم من تحذير معارضين من أن يولد هذا القانون مشاعر عزلة واغتراب بين بعض المسلمين.

وقال رئيس الوزراء جان كاستيكس للصحافيين إن القانون سيضع في أيدي السلطات أدوات “لمكافحة التوجهات السياسية والأيديولوجية التي تتعارض مع قيمنا.. وسيادتنا وترقى في بعض الأحيان لأن تكون أعمالا إجرامية”.

وأيدت الحكومة رسميا مشروع القانون المقترح، فيما يسمح لها بإرساله إلى مجلس النواب في البرلمان، الذي تهيمن الحكومة وحلفاؤها على أغلبية مقاعده.

وما تزال “كشوف العذرية” ممارسة معتمدة في دول مختلفة في العالم، ولأسباب مختلفة كذلك، تتفق فقط في انتهاك حقوق النساء والفتيات في خصوصية أجسادهن.

وأكدت الأديبة السودانية آن الصافي أن “زواج القاصرات وكشف العذرية القسري والختان والعنف المعنوي والمادي.. وكل ما يسئ للإنسان في جميع مراحله العمرية ليس فقط في الدول النامية بل ربما في جميع الدول مستمر وهو أمر مقلق”، مشيرة إلى أنه من خلال الدراسات والقراءات المقدمة من الممكن تقديم حلول تمكن الجهات الرسمية والأهلية من محاربتها.

وقالت الصافي “على الرغم من انتشار التعليم في البلدان النامية بشكل أفضل مما سبق إلا أن العرف ما زال أقوى من الدين والقوانين المنصوصة والتي ربما غير مفعلة كما ينبغي”.

وأضافت لـ”العرب” أن الصورة لن تكون واضحة لهذه المجتمعات مالم يتم توجيه رسائل مباشرة وغير مباشرة عبر استخدام اللغة المناسبة والأساليب الملائمة للوصول لأكبر فئة ممكنة، وذلك بتوظيف جميع الأدوات المساعدة عبر التقنيات التقليدية والمتقدمة وتوجيه التعليم والفنون والآداب، ومن الممكن اختراق ثقافة هذه المجتمعات بمواد توضح المساوئ والمضار المترتبة على جميع هذه الممارسات غير الإنسانية وغير الأخلاقية والتي تصل إلى مراحل من الجرم والتعدي على حقوق أساسية وبديهية.

وأردفت “على سبيل المثال، للمسرح دور وللإعلام بأدواته الحديثة دور كبير في توجيه الرسائل بشكل عفوي ومبسط ليصل بشكل هادف. وبعد التوجيه والنصح وتوضيح المخاطر والمساوئ يجب التحذير بأن القانون ينص على المخالفات والعقوبات، بالطبع تنفيذه على أرض الواقع ودون تجاوزات سيكون الأداة الناجزة لحسم الأمر”.

وقالت إن مجرد فئة من المجتمع تتسم بهذه الثقافات اللاأخلاقية واللاإنسانية تحسب لعموم فئات المجتمع، لذلك الجميع مسؤول للقضاء على هذه العادات ونبذ التطرف والدعوة للتسامح والاحتفاء بكل فرد في المجتمع وتحقيق مبدأ أنسنة المجتمعات حتى تصبح ثقافة تحتذى وعبر الأجيال يحافظ عليها وتضمن استدامتها.

آن الصافي: العرف ما يزال أقوى من الدين رغم انتشار التعليم
آن الصافي: العرف ما يزال أقوى من الدين رغم انتشار التعليم 

وفي مصر ألقت السلطات المصرية القبض على 17 امرأة في تظاهرة في ميدان التحرير في مارس 2011. وبدأت شهادات الفتيات بعدها في الظهور؛ وكُشف تعرضهن إلى “كشوف للعذرية” قيل إنها لحماية الفتيات من الاغتصاب.

وفي 27 ديسمبر من العام الماضي، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا بإيقاف كشوف العذرية في السجون العسكرية في قضية رفعتها سميرة إبراهيم، إحدى المحتجزات في مارس 2011، واعتبرتها المحكمة ممارسة مشينة، ومخالفة للدستور المصري.

لكن ما عده الكثيرون انتصارًا للناشطة سميرة إبراهيم ولحقوق المرأة وقتها يبدو أنه لم يؤثر كثيرًا على أرض الواقع؛ فقد ظهرت عدة شهادات تدَّعي إجراء كشوف عذرية للعديد من الفتيات المحتجزات داخل أقسام الشرطة المصرية بعد حملة القمع الأمني التي شهدتها البلاد لاحقا.

وفي باكستان حظرت محكمة لاهور العليا اختبار العذرية القديم الذي يقوم به أطباء الفحص لتحديد ما اذا كانت امرأة قد تعرضت للاغتصاب.

وجاء في أمر أصدرته المحكمة أن الاختبار التطفلي، الذي يتم إجراؤه بغرض التحقق مما إذا كانت الضحية ناشطة جنسيا، هو غير قانوني ومخالف للدستور.

وطلبت المحكمة من السلطات اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان عدم إجراء الاختبار كجزء من الفحوص القانونية أو الطبية لضحايا الاغتصاب والاعتداء الجنسي.

وكانت مجموعة من النشطاء الحقوقيين والمحامين والأكاديميين قد طلبت من المحكمة حظر هذه الممارسة من خلال التماس للمصلحة العامة قائلة إن الفحص غير محترم وغير إنساني وينتهك الحقوق الأساسية.

وتتعرض المئات من النساء للاغتصاب في باكستان كل عام، ولكن نادرا ما تتم معاقبة مرتكبي الاعتداءات بسبب ضعف القوانين وإجراءات المحاكمة المعقدة، وفقا للجنة حقوق الإنسان الباكستانية.

وكثيرا ما يلقى باللوم على ضحايا الاغتصاب في الاعتداءات، ويتم اتهامهن بالتواصل مع الرجال – وهو أمر يثير الاستياء في المجتمعات المسلمة المحافظة – أو حتى يتم اتهامهن بالتسبب في تعرضهن للهجوم.

وتلتزم العديد من النساء الصمت وترفض تقديم بلاغ للشرطة لتجنب الكشف عن أسمائهن وفضحهن من جانب المجتمع الباكستاني المحافظ.

وقالت ناتاليا كانيم، رئيسة الوكالة الأممية التي تعنى بالصحة الجنسية والإنجابية “إن الحق في الاستقلال الذاتي في أجسادنا يعني أنه يجب أن نمتلك القوة والوكالة لاتخاذ الخيارات دون خوف من العنف أو اختيار شخص آخر لنا”.

وقال صندوق الأمم المتحدة للسكان إن النساء في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا ووسطها يبقين أقل قدرة على السيطرة على أجسادهن، مثل القدرة على رفض ممارسة الجنس مع شريك أو الحصول على رعاية صحية جنسية دون الحاجة إلى إذن من قريب ذكر.

محرمات اجتماعية

اختبارات العذرية إهانة للمرأة
اختبارات العذرية إهانة للمرأة

قال التقرير، الذي حلل مجموعات بيانات متعددة حول المساواة بين الجنسين والصحة الجنسية والوصول إلى وسائل منع الحمل في 57 دولة، في أماكن مثل مالي والنيجر والسنغال، كانت 10 في المئة فقط من النساء يتمتعن “بالاستقلالية الجسدية”.

وقالت كانيم إن المحرمات الاجتماعية حول الجنس والنظام الأبوي الراسخ منعت النساء والفتيات من إبداء أي رأي، لأن الأقارب الذكور يميلون إلى السيطرة على خيارات النساء.

كما ذكرت كانيم، وهي طبيبة أطفال وعالمة أوبئة، للصحافيين في إفادة إعلامية عبر الإنترنت، إن عدم المساواة بين الجنسين هي أكثر العوائق انتشارا لاستقلالية الجسد. فهي تبدأ من المهد.

وتابعت “تؤدي الأعراف والمواقف غير المتكافئة بين الجنسين إلى اختلالات في توازن القوى تقيد صنع القرار لدى المرأة.. تقود إلى توقع أن النساء والفتيات سوف يخضعن للآخرين في جميع جوانب حياتهن”.

وأضافت أن الجائحة الحالية أدت إلى تفاقم عدم المساواة بين النساء والفتيات. حيث أصبح ما كان سيئا في السابق الآن أسوأ مع الجائحة التي أدت إلى زيادة العنف الجنسي، والمزيد من حالات الحمل غير المرغوب فيه، وعوائق جديدة أمام الوصول إلى الخدمات الصحية إلى جانب فقدان الوظائف والتعليم.

وأشار صندوق الأمم المتحدة للسكان في أبريل الماضي إلى أن عمليات الإغلاق العالمية قد تؤدي إلى زيادة بنسبة 20 في المئة في العنف الأسري حيث تظل الضحايا محاصرات في المنزل مع من يسيئون إليهن.

وتوقع الباحثون أن يوجد 13 مليون حالة زواج أطفال إضافية ومليوني حالة أخرى لتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية في العقد المقبل حيث يعيق الوباء الجهود العالمية لإنهاء كلتا العمليتين.

الافتقار إلى الاستقلالية الجسدية له آثار هائلة تتجاوز الأضرار الجسيمة التي تلحق بالنساء والفتيات ومنها احتمال انخفاض الإنتاجية الاقتصادية وتقلص المهارات والتكاليف الإضافية لنظامي الصحة والقضاء

وقال صندوق الأمم المتحدة للسكان إن الفقر المدقع الناجم عن الركود العالمي قد يدفع المزيد من الأسر إلى تزويج بناتها في وقت مبكر.

وعلى الرغم من هذه النكسات، قال تقرير للبنك الدولي في فبراير إن 27 دولة أصلحت بعض القوانين أو اللوائح لمنح المرأة المزيد من المساواة الاقتصادية مع الرجل في 2019-2020.

وتعد المساواة بين الجنسين، إلى جانب كونها حقا أساسيا من حقوق الإنسان، أمرا ضروريا لتحقيق السلام في المجتمعات وإطلاق إمكانيات المجتمع الكاملة. وعلاوة على ذلك، فقد ثبت أن تمكين المرأة يحفز الإنتاجية والنمو الاقتصادي.

وحاصرت قيود العيب والحرام المرأة العربية منذ القدم وحاول العلماء أن يجدوا مخرجا في ما يتعلق بحرمة المرأة وجسدها.

وقال الصحبي بن منصور أستاذ الحضارة بجامعة الزيتونة إن علماء تونس كرسوا خلال العصر الوسيط بأفريقية (الاسم القديم لتونس) قراءة رائدة في التعامل مع المرأة وتجنيبها مخاطر العنف المسلط عليها في حال الشبهة في عدم عذريتها، وتتمثل هذه القراءة في أنه ينبغي لوليّها إشاعة ذلك في صغرها ويكتب في ذلك عقدا “أشهد فلان على نفسه أنّ ابنته الصغيرة السنّ المسمّاة فلانة أو أخته فلانة زلقت في درج أو سلّم فسقطت منه وذهبت عذرتها”. فأشاع ذلك وأعلن به الآن لئلا يظنّ بها غير ذلك ويرتفع عنها العار اللاحق بها عند تزويجها في كبرها.

وأضاف لـ”العرب” أن الجسد في الحقيقة ليس ملك صاحبه وإنّما هو أمانة عنده حتى يستعمله وفق ضوابط ومعايير يحددها له الدين ويحرسها المجتمع مستعينا برجال الأخلاق وبالقانون، لكن سوء تدبير الأولياء من إفراط أو تفريط قد يربك سيطرة الفتاة على جسدها وقد يتسبب في اختلالها النفسي المؤذن ببعض الكوارث.

المحرمات الاجتماعية حول الجنس والنظام الأبوي الراسخ يمنعان النساء من إبداء أي رأي لأن الذكور هم المسيطرون
المحرمات الاجتماعية حول الجنس والنظام الأبوي الراسخ يمنعان النساء من إبداء أي رأي لأن الذكور هم المسيطرون  

 

20