نصف ضربة لا تنصر نصف ثورة ولا تنهيها أو تنهي النظام

بعد كل ما حدث في سوريا المؤكد أن نصف ثورة لا يمكن أن تقضي على حكم دكتاتوري عسكري. كما أن "نصف ضربة" لن تجعل داعمي النظام من روسيا وإيران يتراجعون بعد أن قامروا كل هذه السنوات بالمال والسلاح والدم.
الأحد 2018/04/15
دمسق عاشت ساعة من الجحيم

بعد حدوث الضربة الثلاثية الأميركية – البريطانية – الفرنسية الأولى، واستغراقها 55 دقيقة فقط، ستكون الموجة الثانية أطول ربما، إن حدثت، وسيكون ذلك زمنا مقتطعا من السياق الزمني للحرب الباردة بين روسيا وأميركا، حتى لو لم تكن روسيا مكافئة في القوة والرعب لسلفها السوفييتي.

مبدئيا، كان استمهال أميركا للعالم، أياما، قبل بدء الضربة نوعا من التنسيق مع روسيا حتى تتخذ احتياطاتها ولا يحدث صدام بين الطرفين، أو كي لا تضطر روسيا للرد على ضربة أميركية للقوات الروسية تأتي عن طريق الخطأ، ففي مثل هذه الحالة المتوترة لن تنظر روسيا إلى ذلك باعتبار الصواريخ الغربية نيرانا صديقة.

وفي المبدأ أيضا، لا يتوهم أكبر الغافلين في سوريا أن الضربة ستكون انتصارا للسوريين المعارضين، وبالقدر نفسه لن تكون ضد السوريين الموالين، إلا من شاء فهمه أن ينحاز إلى اعتبار أن “آل الأسد” مكافئا لـ”الوطنية السورية”، إن كانت هذه الوطنية موجودة في بلد تم تفصيل “الوطنية” على مقاس العائلة المالكة لسوريا إلى الأبد.

بالنسبة لصدامات قطبي الحرب الباردة، تكررت حالة التوتر في أكثر من مرة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، في حالة تفكك يوغوسلافيا، وحروب البلقان، ومع ضم روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، لكن السخونة لم تصل إلى درجة الحرب، على الأقل باعتبار روسيا انضمت إلى العالم الثالث، بعد أن ملأت أميركا مقعدي العالمين الأول والثاني.

مع ذلك، ولسهولة التحليل، نميل إلى اعتبار الصدام المؤجّل بين موسكو وواشنطن نوعا من حرب باردة لا تشبه سابقتها، لأن الترسانة النووية حاضرة في خلفية تفكيرنا، وتفكير صاحبي أكبر ترسانتين نوويتين.

وحتى في هذه الحرب المثلجة، يبدو حلف شمال الأطلسي مجرد واجهة غربية، مثله مثل مجلس الأمن الدولي الذي لا يحل عقدة ولا يربط. هو كذلك لأن حلف وارسو أصبح تاريخا منسيا، وأصبحت دوله التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي غير معنية بطموحات روسيا البوتينية، حتى لو كانت هذه الدول صديقة لروسيا، ولكن من باب التقية، ومن باب عدم الثقة الكاملة بأميركا والحلف الأطلسي.

من مبررات نفي مؤامرة الحرب الباردة أن لا اقتصاد مرعبا في روسيا، ولا إبداعات تتعدى التجسس الإلكتروني الذي تبرع فيه أحيانا حتى إيران. كما أن السلاح الروسي الاستثنائي المتمثل في منظومتي “أس 300 وأس 400″، اختراع متأخر جدا سبقته منظومة “باتريوت” بثلاثين سنة. وليس للمنظومة الروسية إلا الصيت الإعلامي، والحملة التسويقية التي رافقت الحرب على سوريا، بينما أثبت السلاح الأميركي نجاعة معقولة في استخداماته، ومنها اعتراض الصواريخ الحوثية التي أُطلقت مؤخرا على جنوب ووسط السعودية.

والمتابع لتصريحات وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويغو، بعد “نصف الضربة الثلاثية”، لاحظ أنه يركز على الدفاع عن سمعة السلاح الروسي، دون التطرق إلى المفاعيل السياسية أو العسكرية للضربة. فيما ركزت وزارة الخارجية الروسية على أثر الإهانة التي تعرض لها بوتين شخصيا، على الرغم من الحرص الأميركي على عدم الإيغال في هذه الإهانة، من خلال تجنب القيام بعمليات في منطقة السيطرة الروسية في محيط قاعدتي حميميم وطرطوس.

إذا صحت التصريحات الروسية، وتصريحات جيش النظام، حول إسقاط 70 صاروخا من مجموع 110 صواريخ أطلقها “العدوان الثلاثي”، فإن اليد الروسية هي من رصدت الصواريخ، ومن سددت عليها، كون خبرات ضباط جيش النظام لا تتعدى تكنولوجيا “البراميل” البارعة في استهداف المباني الثابتة المسكونة بالمدنيين الخائفين.

لكن الخبراء العسكريين يميلون إلى تأكيد عدم قدرة الأيدي الروسية نفسها على استخدام “أس – 300″ لإسقاط الصواريخ المجنحة الأميركية، لأن منطقة دخول الطائرات والصواريخ المجال الجوي السوري تمت عبر منطقة ظل عمياء بالنسبة لرادارات هذا السلاح، يضاف إليها الارتفاعات المنخفضة للطائرات، والبصمة الرادارية الصغيرة العصية على الكشف إلا بعد فوات الأوان.

والملاحظ أن الاستهداف الأميركي لمطار الشعيرات، قبل أكثر من سنة، استخدم 59 صاروخا، ما يعني نصف عدد الصواريخ المستخدمة فجر السبت، الأمر الذي يطرح تساؤلا عن الغاية من الضربة، وكيف يمكن تفسير أن موقعا واحدا يستهلك من الديناميت نصف ما استهلكته العشرات من المواقع في حمص، ودمشق، وريفها، إلا إذا كانت غاية “نصف الضربة” هذه معنوية، وتحذيرية، أكثر منها عقابية على استخدام النظام الأسدي للسلاح الكيمياوي ضد “شعبه”، على حد قول رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي.

على كل حال، أخبار دمشق تؤكد، وفق صفحات الفيسبوك، أن الناس هناك عاشوا ساعة من الجحيم خلال دقائق الضربة، وأن الأصوات الآتية من مطار المزة العسكري، ومركز البحوث العلمية في قاسيون (جمرايا وبرزة)، وفي مقرات الفرقة الأولى في “الكسوة”، تدل على حجم تدمير هائل ستؤكده أو تنفيه الصور التي يمكن أن يبثها، لاحقا، أقطاب العدوان الثلاثي ليؤكدوا أيضا على نجاعة أسلحتهم في نشر الدمار.

وعلى عكس عناصر الحرب الباردة الروسية الغربية، يبدو سجال السوريين في مواقع التواصل الاجتماعي ساخنا، بأدوات الكلام، لكن بكلمات من عيار الخيانة، وبفرح موالين بعدم سقوط النظام في هذه المزحة الغربية ثقيلة الظل، على غرار ما حدث بعد هزيمة 1967، عندما فشلت إسرائيل في إسقاط الأنظمة “التقدمية” في المنطقة العربية.

في النتيجة، بدا أن “نصف الضربة” جاءت بمثابة “بروفة معركة” نظرية لتجريب السلاح الغربي الذكي الجديد، كرد متأخر على المناورات الحية المستمرة للسلاح الروسي منذ أكثر من سنتين ونصف السنة، لتصبح السماء السورية معرضا مفتوحا لتسويق السلاح لا يحتاج إلى كتيبات ترويجية كما جرت العادة في معارض التسويق.

وبعد كل ما حدث في سوريا، خلال أكثر من سبع سنوات، المؤكد أن نصف ثورة لا يمكن أن تقضي على حكم دكتاتوري عسكري. كما أن “نصف ضربة” لن تجعل داعمي النظام من روسيا وإيران يتراجعون بعد أن قامروا كل هذه السنوات بالمال والسلاح والدم.

فنصف طريق لا تؤدي إلى مكان. يصح ذلك على الثورة السورية، كما يصح على مجهود النظام في الحفاظ على مزرعته، ويصح على موقف روسيا وإيران الداعمتين لنظام الأسد، وعلى موقف أميركا ودول غربية لا هي داعمة للنظام ولا هي ضده.

وإذا لم يكن لهذه الضربة النصف، أو الربع، ما يكملها إلى ضربة كاملة، اليوم أو غدا، باتجاه إقناع روسيا تحديدا كي تجر نظام الأسد إلى حل سياسي، فإنها تكون قد ساهمت في زيادة تعقيد شروط المصالحة السورية بين ناس النظام وأعدائه، دون أن يعني ذلك أن العداء بين النظام وأميركا سيكون أبديا.

هذا ما قد يقوله تلاميذ كيسنجر قريبا، هو الحامل لأسرار الأسد الأب، منذ أن كان وزيرا للدفاع في سوريا 1967، وسوريا 1970، و1973، مرورا بمحطات معارك الحرب اللبنانية، حتى حرب تحرير الكويت من احتلال صدام حسين.

5