نصف نساء تونس تعرضن للعنف في الشارع فقط لأنهن إناث

أكدت التقارير والدراسات الدولية تفاقم ظاهرة العنف ضد نساء العالم وفي مختلف الدول المتقدمة منها والنامية، ويحاصر العنف المرأة في تونس كغيرها من النساء، ولا يقتصر العنف ضدها على البيت والمحيط العائلي بل تواجه الإيذاء اللفظي والنفسي والجسدي في الشارع أيضا وفي وسائل النقل العمومية وفي مختلف الأماكن العمومية التي تتوجه إليها.
الجمعة 2016/09/23
الفضاء العام شهد أشكالا جديدة من العنف المسلط على المرأة

أكد علماء اجتماع أن العنف المسلط على المرأة على أساس النوع الاجتماعي بمختلف أشكاله لا يستثني أي فئة اجتماعية متعلمة أو غير متعلمة ناشطة أو في المنزل متزوجة أو لا، ومهما كان الوسط الذي تعيش فيه حضريا أو ريفيا.

وفي هذا السياق كشفت دراسة أنجزها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة “الكريديف” في تونس بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للمرأة، أن 49.1 بالمئة من النساء التونسيات تعرضن خلال السنوات الأربع الأخيرة، مرة على الأقل للعنف في الشارع فقط لأنهن إناث.

وشملت الدراسة التي جاءت تحت عنوان “العنف ضد النساء في الشارع”، وأشرفت على إنجازها الأستاذة الجامعية المختصة في الإحصاء هالة والي ملاك، 2913 امرأة تتراوح أعمارهن بين 18 و64 سنة، توزعن على 200 منطقة بكامل تراب تونس.

وتوصلت إلى أن أكثر من 80 بالمئة من العنف المبني على النوع الاجتماعي في الشارع يمارس على النساء اللاتي تفوق أعمارهن 45 سنة، وأن أكثر فئة ضمن هذه الشريحة العمرية معرضة للعنف هي ربات البيوت بنسبة 56 بالمئة تليها النساء العاملات بنسبة 42.5 بالمئة ثم الطالبات بنسبة 15.9 بالمئة.

وقالت 91 بالمئة من ربات البيوت اللاتي تفوق أعمارهن 45 سنة، إنهن تعرضن على الأقل مرة واحدة للعنف في الشارع. وفسرت الدراسة تعرض هذه الشريحة أكثر من غيرها للعنف في الشارع، بسبب تفرغهن وتواجدهن أكثر في الفضاء العام والشارع مقارنة بالنساء الأخريات.

كما أفادت نتائج الدراسة بأن المستوى التعليمي لـ67 بالمئة من النساء اللاتي صرحن بأنهن تعرضن على الأقل مرة واحدة للعنف في الشارع، لا يتجاوز التعليم الابتدائي، وفي مقابل ذلك كشفت أن العنف في الشارع يتقلص كلما ارتفع المستوى التعليمي للمرأة.

وبينت الدراسة أن توزيع العنف في الشارع ينقسم إلى عنف لفظي بنسبة 36.3 بالمئة وعنف نفسي بنسبة 38.5 بالمئة وعنف جسدي بنسبة 14.9 بالمئة وعنف جنسي بنسبة 10.4 بالمئة.

أما في ما يتعلق بأكثر المحافظات التي تتفشى فيها ظاهرة العنف المسلط على المرأة في الشارع، جاءت محافظة قابس في الجنوب التونسي في المرتبة الأولى بنسبة 62 بالمئة، ثم محافظة زغوان في الشمال بنسبة 61.5 بالمئة فولاية تونس بنسبة 54.2 بالمئة.

وفي نفس السياق كشفت دراسة سابقة حول العنف ضد المرأة في الفضاء العام قام بها المركز، أن 53 بالمئة من النساء التونسيات تعرضن لشكل من أشكال العنف بالفضاء العام.

وأوضح منسق فريق البحث المختص في علم النفس سليم القلال أن هناك مفارقة كبرى تتمثل في ارتفاع حجم التعرض إلى العنف الجنسي الذي يقابله ارتفاع في نسبة النساء اللاتي يرفضن تقديم شكوى ضد المعنف، مؤكدا أن 3 بالمئة فحسب من المتعرضات إلى العنف يتقدمن بشكوى في الغرض في حين تفضل 97 بالمئة منهن الامتناع عن ذلك.

وأفادت الدراسة أن 41.2 بالمئة من المستجوبات تعرضن للعنف الجسدي على غرار الدفع والعض والمضايقة والضرب والتهجم، وقالت إن 8 بالمئة من هذه الأعمال يرتكبها سائقو وسائل النقل المشترك، وترفض 82 بالمئة من ضحايا هذا الشكل من العنف تقديم شكوى ضد المعتدي مقابل 18 بالمئة فقط تقدمن فعليا بشكوى.

العنف ضد النساء يشكل عائقا أمام النفاذ العادل لخدمات النقل العمومي نظرا للشعور بعدم الأمان والخوف

كما تتعرض المرأة بنسبة 85 بالمئة إلى العنف النفسي عندما تكون مطلقة وبنسبة 80 بالمئة عندما تكون عزباء، في حين تتدنى هذه النسبة عند النساء المتزوجات إلى 76 بالمئة.

وبين القلال أن المستجوبات طورن استراتيجيات خاصة بهن من أجل التصدي إلى مختلف أشكال العنف، حيث تعمدت نسبة 87 بالمئة منهن إلى عدم جلب الانتباه و81 بالمئة التظاهر بالجدية والانشغال و82.5 بالمئة عدم الكلام والضحك.

هذا وأكد الفريق العلمي المشرف على إنجاز الدراسة أن الفضاء العام شهد أشكالا جديدة من العنف المسلط على المرأة منها العنف السياسي والإقصاء والتهميش.

وأوصت الدراسة بالتشجيع على كسر الصورة النمطية وتطوير صورة إيجابية والتعريف بالعنف بأشكاله والتشجيع على كسر حاجز الصمت والتنديد بأفعال المعتدين، فضلا عن دفع المؤسسات إلى حماية المرأة في الفضاء العام وإحياء القيم المجتمعية التي تقوم على احترام الآخر وقبول الاختلاف، والعمل على تأسيس صورة جديدة للفضاء العام تقوم على العيش المشترك ومبادئ المواطنة والمساواة بين الجنسين.

كما نبهت إلى ضرورة تنظيم وسائل الإعلام حملات تحسيسية حول ظاهرة العنف المسلط على النساء وخطورتها ورصد ظاهرة العنف بصفة مستمرة، إلى جانب تكوين مقدمي الخدمات المتصلين بالنساء ضحايا العنف.

ومن جهة أخرى أكدت أستاذة القانون منية بن جميع، أن العنف المسلط على النساء يشكل عائقا أمام نفاذهن العادل لخدمات النقل العمومي نظرا للشعور بعدم الأمان والخوف لدى النساء، ما يمثل عقبة أمام حركتهن.

وأفادت بن جميع أن العنف يشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وخاصة الحق في الأمن وفي حرية التنقل التي يضمنها الدستور التونسي والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس.

ومن جانبها بينت المسؤولة عن مرصد النوع وتكافؤ الفرص بمركز الكريديف والأخصائية في علم الاجتماع سنية بن جميع، أن لباس المرأة الذي يتم تقديمه من قبل المجتمع كمبرر للعنف المسلط عليها يتناقض مع مبادئ حقوق الإنسان ومع الإطار القانوني الوطني.

كما قالت إن الاكتظاظ في وسائل النقل العمومي لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال مبررا للتحرش بالمرأة، وطالبت بالأخذ بعين الاعتبار النوع الاجتماعي في التخطيط الحضري.

21