نصوص قانون الأسرة الجافة أكبر عنف مورس على الجزائريات

الأحد 2015/03/08
المرأة الجزائرية حاضرة بقوة في مشروع القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات

الجزائر - أنصفت التعديلات الجديدة في التشريع الجزائري المرأة المعنفة والمرأة التي تتعرض للاعتداء خاصة من قبل الزوج أو للتحرش رغم ما أثارته من جدل صاخب وتراشق بين مختلف التوجهات السياسية والأيديولوجية المنضوية تحت قبة البرلمان شملت مختلف التيارات السياسية والناشطين الحقوقيين، بين من يعتبرها تحصينا للمرأة الجزائرية من شتى أشكال العنف والتعسف وبين من يراها تدخلا صارخا في الحياة الخاصة للزوجين.

وصادق النواب الجزائريون الخميس على تعديلات جديدة تشدد العقوبة على الرجل الذي يمارس العنف الجسدي والمعنوي ضد المرأة حتى وإن كان زوجها، كما نص القانون للمرة الأولى على معاقبة التحرش بالنساء.

وينصّ التعديل الجديد لقانون العقوبات على أن” كل من أحدث عمدا جرحا أو ضربا بزوجه” يعاقب بالسجن من سنة إلى 20 سنة بحسب درجة خطورة الإصابة، أما في حالة الوفاة فالعقوبة هي السجن المؤبد.

كما نص التشريع الجديد على معاقبة الزوج بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين “لكل من يمارس على زوجته أي شكل من أشكال الإكراه أو التخويف ليتصرف في ممتلكاتها أو مواردها المالية”.

واستبقت هذه المصادقة بجدل واسع أثناء مناقشة القانون داخل قبة المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان) خصوصا من النواب الإسلاميين الذين اعتبروا القانون “تدخلا في العلاقات الزوجية” وأنه “مستورد ومستنسخ من قوانين الدول الغربية”.

وكان رد وزير العدل الطيب لوح على حجج المعارضين للقانون بأن هذا التشريع يندرج “في إطار رؤية شاملة للحكومة لمحاربة كل أنواع العنف ضد المرأة.. مع مراعاة خصوصيات المجتمع الدينية والثقافية”.

محاربة ظاهرة العنف في المجتمع وضد المرأة خصوصا ثقافة قبل أن تكون تشريعا، مما يتطلب تجنيد كل الآليات المتاحة بما فيها وسائل الإعلام والمساجد والمدارس لتكوين النشء وتربيته على القيم الدينية الصحيحة

ويمكن القول بأن التغييرات التي أدخلت على نص القانون تعد مكسبا للمرأة الجزائرية حيث تم ادراج التحرش بالنساء، للمرة الأولى، ضمن قانون العقوبات ونص على السجن بين شهرين وستة أشهر أو الغرامة المالية ضد “كل من ضايق امرأة في مكان عمومي بكل فعل أو قول أو إشارة تخدش حياءها”.

وصوّت نواب الأغلبية من حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وبعض المستقلين الموالين للحكومة على تعديلات قانون العقوبات، بينما قاطع الإسلاميون جلسة التصويت وفضل حزب العمال الامتناع.

وذكر الوزير أن القانون “تم تحضيره وفقا لإحصائيات الشرطة والجمعيات وتقارير المستشفيات التي تحصي العديد من الحالات المأساوية”، حيث أظهرت إحصائيات الشرطة لعام 2014 أن العنف الأسري يأتي في مقدمة جرائم العنف التي تتعرض لها النساء، بأكثر من أربعة آلاف حالة. كما أشارت إحصائيات نشرتها الصحف إلى وفاة ما بين 100 و200 امرأة سنويا جراء العنف الأسري.

غير أن هذه الأرقام المفزعة التي كشفت حسابيا -وبما لا يدع مجالا للشك- سوء وضع المرأة الجزائرية الضحية والواقعة تحت وطأة العنف المجتمعي والأسري والزوجي لم تقنع الإسلاميين في البرلمان بضرورة رفع الظلم عن الجزائريات والتصدي لما يتعرضن له من أشكال متنوعة من الإهانات المادية والمعنوية، ويظل مثيرا للاستغراب شنهم لحرب شرسة من أجل إسقاط الطبعة الجديدة لقانون العقوبات، لا سيما في تعديلاته المتعلقة بتشديد العقوبات ضد مختلف أشكال التعنيف الذي تعيشه المرأة الجزائرية.

كما أنهم لم يترددوا في توجيه انتقادات لاذعة للحكومة متهمين إياها بالانحراف عن المرجعية الأولى للتشريع في الجزائر (الدين الإسلامي) وإخراج أسرار الحياة الزوجية لأروقة القضاء والسجون والعقوبات، مما يساهم حسب آرائهم في المزيد من تفكك الأسر وينمي الأمراض الاجتماعية والمظاهر السلبية.

فاطمة الزهراء بن براهم: كان الأجدر بالمشرِّع أن يغوص في عمق المسألة الاجتماعية ولا يكتفي بالقشور

وبعد أن انضمت المحامية والناشطة الحقوقية فاطمة الزهراء بن براهم، المعروفة بمناهضتها لتيار الإسلام السياسي في الجزائر، إلى صلب الجدل المشتعل خصت بتصريح لـ”العرب“ انتقدت فيه هذه التعديلات الجديدة، رغم مواقفها وخلفيتها الأيديولوجية المعادية للأحزاب الإسلامية واعتبرت القانون الجديد مسعى حكوميا لافتكاك التزكيات الخارجية ونيل رضى المنظمات الدولية ولم يأت لخدمة المرأة والأسرة الجزائرية عموما.

وقالت “إن التعديلات الجديدة جاءت لغرض تزيين الواجهة، ولا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، وتساءلت كيف يمكن الإيقاع بالمتحرش بالفتاة أو المرأة في وسائل النقل والشارع والساحات العمومية وتحرير محضر الأمن وإحالته على القضاء؟.. والواقع أنه بمجرد اتصال الضحية أو المتحرَّش بها بمصالح الأمن في الحراش مثلا يكون المتحرّش قد وصل إلى باب الوادي (20 كلم بين الحيين)، وهل بإمكانها أن تمسكه من يده وتأخذه إلى مصالح الأمن لتوجه له تهمة التحرش؟.. هذا مستحيل بل عبث وضحك على المرأة“.

وأضافت ”كان الأجدر بالمشرِّع أن يغوص في عمق المسألة الاجتماعية ولا يكتفي بالقشور، فلا معنى للنصوص إذا كانت لا تطبق أو يستحيل تطبيقها وكان الأجدر به البحث في توازنات المجتمع وتجريم العنف كظاهرة مهما كان مصدرها وضحيتها وتوضيح موقع التحرش أو الاستفزاز الذي تمارسه المرأة نفسها ضد الرجل، كما كان عليه تلطيف العلاقات الاجتماعية وتأطيرها بدل الزج بها بيد آليات جافة لا تقود إلا إلى الجفاء والتوتر“.

وأثناء النقاش الدائر حو تعديل التشريع ذهبت مداخلات نواب إسلاميين في البرلمان إلى اقتراح إنشاء لجان صلح وتعيين وسطاء للصلح بين الأزواج عوض اللجوء إلى المحاكم، بينما طالب نواب التكتل الإخواني (الجزائر الخضراء) المشَكَّل من أحزاب (النهضة والإصلاح وحمس) بسحب القانون نظرا لاعتبارهم أنه “يتعارض مع الشريعة الإسلامية ويعمل على تنامي التفكك الأسري”.

ومن ناحية أخرى اعتبرت أحزاب التكتل الإخواني القانون التفافا على قانون الأسرة وتخريبا للبيوت بتشجيع النساء على الزج بأزواجهن في السجون دون الأخذ بعين الاعتبار بعادات وتقاليد المجتمع الجزائري.

وقال النائب عبدالعزيز بلقايد إن مشروع القانون “مسّ أهم مؤسسة في البلاد وهي الأسرة وبقوانينها، وأن تفاقم ظاهرة العنف سببها الظروف الاجتماعية والاقتصادية وليس الرجل.. وأن اللجوء إلى الوسائل العقابية مقاربة غير سليمة”.

وفي المقابل ذهب الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني)، على لسان النائب سعدي مكي، إلى اعتبار محاربة ظاهرة العنف في المجتمع وضد المرأة خصوصا ثقافة قبل أن تكون تشريعا، مما يتطلب حسب المتحدث “تجنيد كل الآليات المتاحة بما فيها وسائل الإعلام والمساجد والمدارس لتكوين النشء وتربيته على القيم الدينية الصحيحة”.

أما نائب حزب العمال اليساري جلول جودي، فقد اعتبر قانون الأسرة المعمول به حاليا “أكبر عنف يمارس في حق المرأة الجزائرية التي تبقى قاصرا مدى الحياة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال السماح بممارسة العنف تحت أي عذر”، مقترحا إلغاء الصفح في نص القانون، لأن ذلك سيفتح الباب أمام اللاعقاب وطالب بإنشاء مراصد على مستوى البلديات لمرافقة المرأة المعنفة.

وأبرز ما تضمنته التعديلات الجديدة لقانون العقوبات: استحداث مادة جديدة تقر بحماية الزوجة من الاعتداءات العمدية التي تسبب لها جروحا أو عاهة أو بتر أحد أعضائها أو الوفاة مع إدراج عقوبات متناسبة مع الضرر الحاصل للضحية، وتضع المادة الجديدة صفح الضحية حدا للمتابعة القانونية.

مساعي إسلاميي الجزائر لإسقاط قانون تعنيف المرأة تؤول إلى فشل ذريع

وتنص التعديلات الجديدة أيضا على تجريم أي شكل من أشكال التعدي أو العنف اللفظي أو النفسي أو المعاملة المهينة، الذي بحكم تكراره يبين إصرارا على إيذاء الضحية ويتخذ العنف شكل التعدي الجسدي الذي لا تنجر عنه بالضرورة جروح.

كما تم لنفس الغرض تعديل المادة 330 من قانون العقوبات المتعلقة بالإهمال العائلي، ويشمل إهمال الزوج لزوجته، لينص على حماية الزوجة من الإكراه والتخويف الممارس عليها من أجل حرمانها من مواردها. بالإضافة إلى حماية المرأة من العنف الجنسي بتجريم كل اعتداء يرتكب خلسة أو تحت عنف التهديد والإكراه ويمس بالحرمة الجنسية للضحية.

وتم تشديد العقوبات على جريمة التحرش الجنسي ومضاعفة العقوبة في حال إذا ما كانت الضحية من المعاقين أو من المحارم. وكذا محاربة مختلف أشكال العنف الممارس ضد المرأة في الأماكن العمومية، لتجريم التصرفات غير الأخلاقية مع تشديد العقوبات إذا تعلق الأمر بالقاصر.

وسجلت المرأة حضورا قويا في مشروع القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات من خلال تشريع قوانين ردعية للحد من ظاهرة العنف والتمييز ضد المرأة الجزائرية، لكن ذلك لا ينفي أنها لا تزال تعاني من مظاهر العنف والتمييز رغم المكاسب التي حققتها، غير أن قانون العقوبات المعدل سيعمل على حمايتها من مظاهر العنف هذه سواء كان في الحياة العائلية أو المهنية أو داخل الفضاءات العمومية.

ولا يمكن نكران أن هناك ضرورة ملحة لتغطية الثغرات القانونية المرتبطة بالتشريعات الخاصة بمكافحة الإرهاب، مثلما أكد وزير العدل بقوله “أنه من غير المعقول ألا تسد الجزائر هذه الثغرات، وهي البلد الذي دفع ثمنا باهظا ومعروفا على الساحة الدولية”.

20